• الموقع : مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية .
        • القسم الرئيسي : مقالات وآراء .
              • القسم الفرعي : مقالات مختارة .
                    • الموضوع : استباحة القيم لتعويض النقص المعرفي والإخفاق العلمي! .

استباحة القيم لتعويض النقص المعرفي والإخفاق العلمي!

مبارك جواد دشتي

يتصوَّر البعض أنه بمجرّد أن يرى فكرًا ضالًّا ورأيًا منحرفًا وسلوكًا خاطئًا ومشبوهًا صدر من شخص ما سواء كان عن علم أم جهل، أو عن خطأ أم عمد، فمن الممكن شرعًا الحكم عليه بما يتناسب مع أحد عناوين الضلال وأشكال الانحراف، إلَّا أن هذه العناوين وموضوعاتها متشعِّبة ومترامية الأطراف، وشائكة لا تخلو من تعقيد -كلامنا هنا ليس في الأمور الواضحة، وإن كان يُختلف فيها أيضًا-؛ إذ يقع عامة الناس في خلل في معرفتها والخلط بين مفهوماتها كالكفر والتبديع والتفسيق، وخصوصًا أنها لم يُفرد لها مؤلَّف خاص يُخاطب به جميع العقول؛ لأن معرفتها التفصيلية والدقيقة ومسائلها التطبيقية المتفرعة في الكتب الاستدلالية المعمقة من اختصاص الفقهاء فقط.
لكن من باب التنزُّل، يمكن القول: إن الباحثين يواجهون تحديات وصعوبات كبيرة في تفكيك المصطلحات، وتحديد التعريفات، وفهم بعض الأحكام والقواعد الواردة في ذلك، كي يتمكنوا -ولو نسبيًّا- من لملمة الآراء والإحاطة الإجمالية بهذا الموضوع.
 
لذا يُلاحظ أن أكثر ما يقال من تعريفات ومفهومات من قبل من "يتمظهرون بمظهر العلم" في الإعلام الديني المتطرّف فيما يتعلّق بالأحكام التضليلية والتبديعية جاءت مخالفة لقواعد الشرع، ونتيجةً لفهم خاطئ للمُراد من كلمات الفقهاء. إلَّا أن الأمر يزداد خطورةً وتهوُّرًا عندما ينتقلون من مرحلة التنظير إلى ممارسة تطبيق ما يُفهم من النصوص والقواعد على المصاديق والأفراد، وتشخيصهم بالأسماء في الواقع الخارجي. أن الكثير من هذه التطبيقات بعيدة كل البُعد عن الاستنباط العلمي الصحيح، كما يغلب عليها صفة التسرُّع من دون تفحُّص، بل تصدر استنادًا إلى التخرُّصات والظنون المجافية للحجة الشرعية، وأحياناً تنطلق من حالات نفسية ومزاجية، وقد تكون أحكامهم كيدية أو لعداوة مسبقة وشخصانية مفصلة على شخص معين للانتقام منه، دون مراعاة لأية ضوابط وقيم أخلاقية!!.
 
هؤلاء يرتكبون حراماً بتتبُّعهم للأخطاء والعثرات والمساوئ، وقد تغلغل سوء الظن في نفوسهم حتى صار أصلًا، وكل ذلك يُصاغ في قالب المُثل والقيم!!.
وهاهنا لا بد من الإشارة إلى أن مقتضى القاعدة هو حسن الظن بالمؤمنين، وحمل آرائهم وأفعالهم على الصحة، بل على أحسن المحامل، طالما كان التأويل والتوجيه مستساغاً، بل يحرم أيضًا أن يُحدِّث نفسه بنحو اليقين بخلاف ذلك.
لذلك وكي نتجنب المحاذير الشرعية الواردة، فإن الأسلوب الأسلم شرعًا والأمثل عقلًا في الكثير من الحوارات والنقاشات والردود هو تقديم مناقشة الأفكار على الأشخاص، بمعنى أن الأصل هو نقد ونقض وهدم وسحق الأفكار والآراء بما هي هي بغض النظر عن قائليها، وبعيدًا عن أصحابها.
وكما ترون أن الأحكام الباطلة والتصرفات الفوضوية قد تفشَّت وأصبحت ظاهرة نشهدها في الفترة الأخيرة، وصارت تستخدم كسلاح "تشويهي وتسقيطي وإقصائي" من قبل من "يتمظهر بمظهر العلم" سواء كان كاتبًا أم محاضرًا ضد خصومهم ومن يخالفهم الآراء والأفكار عامةً، ومن الطبيعي أن تستتبع هكذا أحكام ارتدادات سلبية وخطيرة على أفراد المجتمع، ويترتب عليها آثار ورذائل أخلاقية واجتماعية، كالقطيعة والحقد والكراهية والنبذ والتفرقة والنزاع بين الأفراد والجماعات من دون وجه حق، ودون أن تستند إلى دليل ومبرر شرعي صحيح، وإنَّما تُدرج وتُعنون بعناوين دينية مختلفة كالبراءة والولاء وحماية العقيدة.
 
ولا خلاف أيضًا على أن مثل هذه الأمور تستنزف الطاقات، وتشتّت الأذهان، وتُلهي المشتغلين والناشطين بمجال العمل الديني في الخلافات والصراعات، مما يؤدي إلى عرقلة مسيرة تقدمهم بتطوير المشاريع الرسالية وتحقيق الإنجازات الكبرى لخدمة الدين.
 
ولهذا كله على ما يبدو، لم يغفل الفقهاء عن وضع حدٍّ لهذه الظواهر اللامسؤولة، فمنهم من ذهب إلى: أن هداية المنحرف وإرشاده إلى طريق الصواب أولى من الاهتمام بإصدار الحكم عليه، ومنهم من قال: إن الحكم على الآخرين بعناوين الضلال والانحراف من مسؤولية الفقهاء في المقام الأول، ويصعب على غيرهم الخوض والحكم في ذلك تورّعًا وتجنّبًا لاحتمال الخطأ.
 
وعليه يمكن القول: إن انتخاب أحد الرأيين المذكورين والالتزام به قولًا وفعلًا، ربما سيُنهي الكثير من الخلافات وتعزيز حالة الانضباط بين الناس ولو نسبيًّا في الأوساط الدينية والاجتماعية، وإعطاء كل فرد منزلته وحجمه الطبيعي. ويترتب على ذلك أيضًا الاقتصار على رأي الفقهاء، بمعنى آخر عدم الالتفات لما يصدر من أحكام وتقييمات على الآخرين من قبل أصحاب المعرفة المبتورة والدخلاء على البحوث التخصصية، الذين يعوّضون نقصهم المعرفي وإخفاقهم العلمي من خلال تسقيط حرمة العلماء العدول والتسلّق عليهم، تغطيةً على عجزهم في مناقشة الآراء وردّها علميًّا، ولصرف الأنظار عن تاريخهم الدراسي الغامض في العلوم الدينية!
 

  • المصدر : http://www.alanwar14.com/subject.php?id=414
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 07 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 10 / 18