• الموقع : مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية .
        • القسم الرئيسي : مقالات وآراء .
              • القسم الفرعي : مقالات مختارة .
                    • الموضوع : الأرض لمن عمرها: اسلوب اقتصادي ناجح .

الأرض لمن عمرها: اسلوب اقتصادي ناجح

حامد عبد الحسين الجبوري/مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية 

من المعروف اقتصادياً ان الارض هي احدى عناصر الانتاج المشتركة التي تدخل في اي عملية انتاجية بكافة انواعها واشكالها، ليس هذا فحسب بل هي احد الموارد المهمة في البناء الاقتصادي، إذ تحتوي في باطنها على الثروات المعدنية والمياه الجوفية والطاقة الحرارية، فضلاً عن سطحها المتمثل بالتربة بكافة انوعها واشكالها والمياه التي تجري عليها من محيطات وبحار وبحيرات وانهار، وما ينبت عليها من نبات وتعيش عليها الحيوانات، التي يعيش عليها الانسان، فالأرض بكل مواردها الباطنية والسطحية تمثل الاساس التي تسير الحياة البشرية.
 
 تتميز الارض بعدة سمات من اهمها ان الارض هبة من الله اي ان الانسان لم يبذل الجهود العضلية او الفكرية من اجل انتاجها والحصول عليها كما هو الحال بالنسبة لرأس المال الذي ينبغي ان تبذل الجهود للحصول عليه، كما وتتميز بثبات مساحتها (كميتها، عرضها) اي ان الانسان لا يستطيع العمل لزيادة مساحتها (كميتها، عرضها) حتى في الزمن الطويل في حين يمكن زيادة عرض العناصر الاخرى كالعمل ورأس المال…إلخ، لكن باستطاعة الانسان زيادة الارض الصالحة للزرعة عن طريق استصلاح الارض غير الصالحة وضمها الى الارض الزراعية فتزداد مساحتها.
 
ان قيام نظام الدول وتحديد الحدود الجغرافية وترسيمها وتوزيعها بشكل غير عادل هذا ما اشار اليه مؤسس علم الجغرافيا السياسية فردريك راتزل حين قال "ان الخريطة السياسية للعالم تشكلت نتيجة الصراعات بين الدول"، التوزيع غير العادل جعل بعض الدول تعاني من صغر مساحة الارض والبعض الاخر لديه مساحات شاسعة، وحتى في ظل افتراض تبني نظام عادل لتوزيع مساحة الارض بشكل عادل بين الدول، فان قيام حكومات الدول بالاحتفاظ بملكية الارض ومن ثم بيعها او ايجارها للمواطنين والمستثمرين يؤدي الى تثبيط الاستثمار الزراعي بسبب صغر مساحة الارض او ارتفاع اسعارها.
 
 الاحتفاظ بملكية الارض من قبل الدولة وعدم تفويضها لأصحاب الحق فيها، عمل يتجافى مع العقل والمنطق في ظل فرضية الهبة أي ان الدولة لم تنتجها لأنه كما ذكرنا ان الارض لم تنتج بل هي هبة من الله حسب الاعتقادات الدينية وهبة من الطبيعة حسب الاعتقادات المادية.
 
 الدول التي تعاني من صغر الارض تقوم بزيادة مساحتها عن طريق الشراء من الدول المجاورة وزيادة الاعباء التي يتحملها المواطن والمستثمر ضمن تلك الدولة صاحبة الارض الصغيرة، وفي ظل انخفاض المستوى الاقتصادي للمواطنين سيحصل توزيع جغرافي بين المواطنين على اساس الثراء وليس على اساس الحق، اذ الشخص ذو الدخل المرتفع يستطيع شراء الارض في أفضل المواقع في حين لن يستطيع صاحب الدخل المنخفض ذلك هذا ما يؤدي الى توليد مراكز ذات مستوى عالي اقتصادياً وخدماتياً وصحياً وتعليمياً في حين تعاني الاطراف من سوء تلك المجالات.
 
اما بالنسبة للمستثمر فانه يشعر بان عدم امتلاكه الارض او ايجارها أحد المعوقات التي تعيق استثماره، اذ انه يبحث عن الربح فمتى ما انخفضت التكاليف ومن ضمنها ايجار او سعر الارض، شعر بان هناك حافز للاستثمار وهو حصوله على الارض بأسعار منخفضة او ايجارات بسيطة او اي صيغة اخرى تحفزه على الاستثمار، بالإضافة الى حوافز اخرى كتبسيط الاجراءات واعفاءه من الضرائب وغيرها.
 
صغر مساحة الارض مع زيادة النمو السكاني، هذه الحالة تؤدي الى زيادة بناء المصانع لتلبية ما يحتاجه السكان وزيادته، ويترتب على زيادة المصانع زيادة الانبعاثات ومن ثم حصول مشاكل بيئية تحتاج الى تكاليف اضافية لمعالجتها. كما ان زيادة السكان تؤدي الى زيادة الطلب على المنتجات الزراعية فترتفع اسعارها فيتحفز المنتجين والمستثمرين على زيادة الطلب على الاراضي لإنتاج المنتجات الزراعية والحصول على الارباح من بيع المنتجات الزراعية، وان زيادة الطلب على الارض يؤدي الى ارتفاع اسعارها ومن ثم ارتفاع اسعار المنتجات الزراعية وبهذا تكون الحياة أصعب بالنسبة للفئات ذات الدخول المحدودة في ظل عدم وجود تجارة خارجية.
 
 اما في حالة وجود تجارة خارجية فمن المحتمل ان زيادة السكان تؤدي الى ارتفاع اسعار الارض وهذا ما يدفع لزيادة الهجرة نحو الخارج لان الارض في الخارج أرخص نسبياً عند مقارنتها بالداخل، وكذا الحال بالنسبة للمستثمرين.
وفي ظل فرضيات صغر مساحة الارض بسبب التوزيع غير العادل كنتيجة للصراعات بين الدول لزيادة قوتها، وان الارض هبة لم يساهم أحد في انتاجها، فيكون احتكارها من قبل افراد أو حكومات عمل مجافي للعقل والمنطق، إلا من اجل ضمان وصول الارض الى مستحقيها الذين يساهمون بشكل فعّال في استثمارها بالشكل الذي يخدم الحياة الانسانية، إذ لا يجوز وضع مساحات شاسعة لشخص ما في حين لم يحصل شخص آخر إلا على مساحة صغيرة.
نعم ينبغي ان يتم توزيع الاراضي بين الافراد بشكل عادل وليس بشكل متساوي، لان توزيع الاراضي بشكل متساوي سيؤدي الى تعطيل الارضي من الاستخدام فيقل الانتاج وترتفع الاسعار وتنخفض الحياة المعيشية، لذا ينبغي اتباع العدالة في التوزيع لمن هو قادر على استثمار الارض من اجل زيادة الانتاج بما يتلاءم مع الزيادة السكانية، وحتى القادر على الاستثمار لا ينبغي فسح المجال امامه في اعمار الارض بشكل مطلق، اذ في ظل التطورات الرأسمالية اصبح هناك افراد يمتلكون ميزانيات دولة او دول بأكملها فلو فُسح المجال امامهم لاستطاع ان يحتكر الارض بأكملها ويصبح هو المتحكم في ثروات الشعوب واقتصاداتها.
 
العراق اليوم يعاني من ازمات كثيرة ومن بينها ازمة السكن والغذاء، على الرغم من امتلاكه الاراضي الواسعة الصالحة للاستثمار العقاري والزراعي، وذلك بسبب زيادة معدل النمو السكاني إذ يشكل معدل النمو السكاني ما يقارب3%هذا من ناحية، وسوء السياسات العقارية والزراعية من ناحية اخرى، وما يثبت ذلك هو ان العجز الكبير في الوحدات السكنية الذي اشارت اليه خطة التنمية الوطنية 2010-2014 والذي يتراوح ما بين 1-3.5 مليون وحدة سكنية بالإضافة الى زيادة استيرادات المنتجات الزراعية من الخارج وهي من اوضح الواضحات.
 
وتجدر الاشارة الى ان العراق يعاني من اختلال في التوزيع الجغرافي ومن هيمنة مركز سكاني واحد هو العاصمة بغداد على المنظومة الحضرية، مسبباً اثاراً بيئية واقتصادية واجتماعية ذات ابعاد سلبية، حيث تشير خطة التنمية الوطنية 2013-2017 ان سكان محافظة بغداد لسنة 2012 يشكلون 21.2% من سكان العراق بينما لا تشكل مساحتها سوى 1% من مساحة العراق، في حين يعيش حوالي خمس سكان العراق في بغداد، البصرة، نينوى. بالمقابل هناك ثلاث محافظات الانبار، المثنى، النجف، تشكل نصف مساحة العراق إلا ان نصيبها من السكان لا يشكل سوى ما يقارب11%، ويعزى ذلك التفاوت على عدة عوامل من بينها الهجرة الداخلية والتغيير في نمط الحراك السكاني متأثرة بفقدان الامن وظاهرة التهجير القسري والتباين في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي ناهيك عن غياب سياسات متخصصة تهتم بتنمية الريف.
 
تملك الحكومة في العراق 80% من الاراضي، وبموجب القانون رقم 53 لعام 1976 (قانون توحيد اصناف اراضي الدولة) تم توحيد صنف الاراضي المملوكة للدولة تاريخياً، وشمل ذلك كل الاراضي الاميرية (الاراضي المملوكة من قبل الدولة) المفوضة للاستخدام بالطابو والممنوحة باللزمة (الاراضي الزراعية العائدة الى الدولة والتي تمت السيطرة عليها مرة ثانية من قبل الدولة بعد تفتيت النظام الاقطاعي عقب سقوط النظام الملكي في 1958) والاوقاف (اراضي خاصة مملوكة من قبل الاهالي ومخصصة للأعمال الخيرية ولكن تحت اشراف الدولة) وتم تسجيلها باسم وزارة المالية.
 
 في حين تعود ملكية المتبقي 20%من ارض العراق الى الاهالي والتي تستخدم في المجالات السكنية والزراعية. هناك مشاريع حكومية لم تنجز بفعل عدم تخصيص اراضي لها‼، فما بالك إذا كانت المشاريع تابعة للقطاع الخاص؟ ومن الاكيد ان عدم تخصيص الاراضي وتسهيل اجراءات الحصول عليها أحد الاسباب المعوقة لمعالجة الازمات التي يعاني منها العراق سواء كانت اقتصادية ام اجتماعية ام بيئية ام غيرها.
لذا فالاسلوب والحل الناجح لحل تلك الازمات اتباع اسلوب الارض لمن احياها او لمن عمرها مع مراعاة الامور التنظيمية وتحقيق العدالة ما بين الافراد في الحصول عليها بحيث تضمن الدولة عدم احتكارها من قبل المستثمرين الكبار اي لا بد ان تعمل على حماية صغار المنتجين ليتم تحقيق العدالة ما بين الافراد لضمان ازالة العقبات والازمات الاقتصادية التي تواجه المجتمع.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

  • المصدر : http://www.alanwar14.com/subject.php?id=437
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 03 / 13
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 06 / 25