أهلا وسهلا بكم في موقع مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية ، للتواصل : info@alanwar14.org

الصفحة الرئيسية

من نحن

أخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

مقالات وآراء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

تحقيقات

اصدارات اللغات الأجنبية

طلبات كتب اللغات

طلبات الكتب

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا

   مقالات وآراء >> مقالات مختارة >> قيمة الكتب السماوية .

قيمة الكتب السماوية

 الشيخ الدكتور فيصل العوامي

 
انطلاقاً من قول إمامنا الهادي –عليه السلام- عن القرآن الكريم: (إن الله تعالى لم يجعله لزمانٍ دون زمان، ولا لناسٍ دون ناس، فهو في كل زمانٍ جديد، وعند كل قومٍ غضٌّ إلى يوم القيامة) خَطَرَ لي أن أشرع في كتابة تفسيرٍ لهذا الكلام الإلهي العظيم، مع تطبيق المنهج المرتكز على المواءمة بين التحليل اللغوي والروائي. وقد أحببت أن تكون البداية سورة آل عمران، وسأنشر بالتتابع أولاً بأول كل ما أُنجزه، رجاء أن أحظى ببعض الرؤى النقدية من قبل المتابعين الأجلاء.
 
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾(آل عمران:4).
ما معنى تنزيل الكتاب بالحق؟
ما المراد بالتصديق (مُصَدِّقاً)؟
ما الذي بين يدي الكتاب؟ هل يراد منه التوراة والإنجيل أم شيء آخر؟
ما العلاقة بين الكتاب وبين سائر الكتب السماوية؟
ما الفارق بين الكتاب والفرقان؟
 
لو نلاحظ بدايةً طبيعةَ التركيب في مطلع الآية، فهو مكوَّن من ثلاث كلمات (نَزَّلَ) و (عَلَيْكَ) و (الْكِتَابَ) فالأولى تعني أنه منزَّل من قبل الله سبحانه، وأنه من الأعلى إلى الأسفل باعتبار أنه تنزيل وليس إعطاءً أو مناولةً أو شبه ذلك، والثانية تعني أنه نُزِّل مباشرة على شخص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فالله سبحانه هو الذي نزَّله على شخص النبي صلى الله عليه وآله، فالمنُزِل هو الله تعالى والمنزَل عليه هو النبي صلى الله عليه وآله لا أي شخص آخر، والثالثة تعني أن الله سبحانه لم ينزل كتاباً بصيغة النكرة، وإنما نزّل الكتاب بصيغة المعرفة، أي نزّل على النبي صلى الله عليه وآله الكتاب المعروف. فماذا يفيد هذا التركيب؟ وماذا يعني لنا؟
 
الإنزال والتنزيل.
لنقف في البدء عند قوله سبحانه (نزّل) إذ يلاحظ أن الكلام عندما تعلق بإنزال الكتاب جاءت الصيغة (نزّل) وحين تعلق بالتوراة والإنجيل وكذلك الفرقان جاءت الصيغة (أنزل) فما الفرق بين الصيغتين وماذا تفيدان؟ ذكر الراغب الأصفهاني بأن الفرق بين الإنزال والتنزيل أن الثاني يختص بالموضع الذي يشير إليه إنزاله مفرَّقاً ومرة بعد أخرى، والأول عام، فقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ يعني أنه أنزل إلى سماء الدنيا دفعة واحدة، بينما قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ أي نزل نجماً فنجماً. 
 
وذهب جمع إلى أن النزول الدفعي إنما كان على قلب النبي -صلى الله عليه وآله- وهذا التفريق بغض النظر عن الخصوصيات هو ما التزم به أكثر المفسرين، وعلّله السيد الشيرازي بأن: (التنزيل حيث أنه من باب التفعيل دال على التكثير في النزول الملازم للتدريج) وأضاف ابن عاشور بأن جعل الفعل مضاعفاً ﴿وَنَزَّلْنَاهُ﴾ وتأكيده بالمفعول المطلق ﴿ تَنْزِيلاً﴾ إشارة إلى تفريق إنزاله، وهو ما جاء في كلام القرطبي غير أنه اعتبر الفعل ﴿وَنَزَّلْنَاهُ﴾ مبالغة. ويراد بالتفعيل والمضاعف والمبالغة في كلام الثلاثة صيغة (فعّل) المقابلة لصيغة (أفعل) أي أنزل في مقابل نزّل، والفارق بينهما هنا بحسب ما وجَّهه البعض أن (كل زيادة في المبنى تتبعها زيادة في المعنى، ... فما كان بزنة (أفعل) يدل على النزول دفعة واحدة، وما كان بزنة (فَعَّل) يدل على تكرار النزول وتتابعه، لأن صيغة (أَفْعَل) من معانيها في العربية الدلالة على حدوث الفعل دفعة واحدة، وصيغة (فَعَّل) تدل على تكرار حدوث الفعل، فقولك مثلاً: (أعلمت فلاناً المسألة) يفيد أنك أفدته به مرة واحدة، بينما قولك: (علّمت فلاناً الفقه) يفيد أنك أفدته به على مراحل). وقد قُدِّمتْ حول ذلك عدة إشكالات:
 

الإشكال الأول:

ذهب بعض المحققين إلى القول بعدم الفرق بين الصيغتين، واستدلوا بأمور، أولها: قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ حيث استعمل التنزيل وأريد به النزول جملة واحدة، ولهذا فإن قولهم: (تستعمل نزل في خصوص التدريجي) لا يصح، ثانيها: إن تتبع الآيات القرآنية يعطي عدم ثبوت الفرق المذكور بين:(الإنزال) و (التنزيل) مثلاً قد ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ﴾ مع أن الكتاب المقروء إنما ينزل دفعة واحدة، كما ويلاحظ: أنه يستعمل كلمة (نزل) تارة، وكلمة (أنزل) بالنسبة لماء السماء، كما في قوله سبحانه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ ومثل ذلك كثير.
  
وقد اعتبر البعض عند التقصّي عن مثل هذا الإشكال بأن ذلك من قبيل الاستثناء بهدف تفسير وبيان الاختلاف بين دلالتي اللفظين، وإلا فإن الأصل المغايرة بينهما من حيث الدفعية والتدريج بناء على ما جاء في بعض كتب اللغة.
 
ولعله أراد بقوله: (تفسير وبيان الاختلاف) أن الاختلاف بين اللفظين ليس مطلقاً ولهذا قد يتحدان معنىً في بعض الاستعمالات، أو أن مثل هذه الآيات يظهر منها أيضاً الاختلاف بين الدلالتين على خلاف ما يقول المستشكل، لكن الاحتمال الثاني غير دقيق لأن الظاهر من بعض الآيات استعمال التنزيل في موضع يراد به الإنزال دفعة واحدة، كما قد يُفهَم من الآية الأولى التي استشهد بهذا المستشكل. 
 
هذا وقد أجاب صاحب الميزان عن الإشكال بتقرير معنى خاص لمفهوم التدريج، حيث اعتبر أن (التدريج في النزول ليس هو تخلل زمان معتد به بين نزول كل جزء من أجزاء الشيء وبين جزئه الآخر، بل الأشياء المركبة التي توجد بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى مجموع الأجزاء وبذلك يصير الشيء أمراً واحداً غير منقسم، والتعبير عنه من هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو الغيث، ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحداً بعد واحد سواء تخلل بينهما زمان معتد به أو لم يتخلل وهو التدريج، والتعبير عنه بالتنزيل كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ ومراده بذلك أن الأشياء المركبة من أجزاء كالمطر -والقرآن أيضاً- تارة ينظر إليها بلحاظ المجموع فتكون وكأنها جزء واحد غير منفصل مع أنها حقيقةً مكوَّنةٌ من أجزاء، فيكون تحققها بناء على ذلك دفعياً، وتارة ينظر إليها بلحاظ الأجزاء، وحينها يكون تحققها في الواقع الخارجي تدريجياً، ولهذا يكون الإنزال بلحاظ المجموع بينما التنزيل بلحاظ الأجزاء، فيثبت بهذا التوجيهِ الفرقُ بينهما.
 
ولو سلّمنا بهذا التفكيك -وستأتي مناقشته- سواء بهذا التوجيه أو بغيره فلابد أن نتساءل حينئذ هل لهذا التعدد في اللحاظ ثمرة وهدف؟. هذا ما سنأتي عليه قريباً. وسنواصل الآن ذكر الوجوه في هذين الاستعمالين.
 
من الوجوه ما استعرضه الطباطبائي في الميزان ونسبه لبعض المفسرين من غير أن يسمِّهم، ومفاده أن تنزيل الكتاب يعني (أنزله إنزالاً بعد إنزال) بمعنى أن التدريج إنما هو تكرار الإنزال سواء للآية أو السورة أو القرآن أجمع، فالله سبحانه أنزل  الآية مرة بعد مرة كما أنزل السور بهذه الكيفية، وهكذا كان إنزال كامل القرآن أيضاً. وقد ضعّف الميزان هذا التوجيه لدرجة أنه لم يتكلّف في الإجابة عليه، بل اعتبره من جهة استحساناً غير جائز في اللغة البتة، ومن جهة كونه لا يدفع شيئاً من النقض بالآيات المذكورة. ويعني بذلك أنه مجرد جمع تبرعي لا شاهد ولا دليل عليه في كتب اللغة، وإنما تبرّع به قائله ليدفع به النقض المذكور، وهو يمكن أن يكون دافعاً فعلاً لو كان له شاهد لغوي، وأما وقد كان استحساناً فلا يصح التمسك به للتوفيق الدلالي بين الآيات.
 
هذا من جهة ومن جهة أخرى إن هذا القول لا يحل الإشكال، فإذا كان التنزيل  يعني الإنزال المتكرر سواء للآية أو السورة أو القرآن كله، فكيف ينسجم هذا القول مع الآية المذكورة أعلاه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فمع أن الفعل المستعمل هنا من التنزيل إلا أن الآية نصَّت على عدم التكرار، بل نصّت على أن التنزيل يمكن أن يكون جملة واحدة بأن ينزل القرآن كاملاً مرة واحدة، بمعنى أن إنزال القرآن مرة واحدة هو تنزيل أيضاً. وما يجري على هذه الآية يجري على غيرها من الآيات الظاهرة في كون التنزيل يستعمل أيضاً في الإنزال مرة واحدة.
 
الإشكال الثاني:
كان الإشكال الأول حول مفهوم التنزيل حيث قيل بعدم الفرق بينه وبين الإنزال، وقد أجيب عنه وستأتي مناقشته، أما الإشكال هنا فحول مفهوم الإنزال، ومفاده أن المدَّعى كون الإنزال بمعنى إنزاله دفعة واحدة إلى سماء الدنيا وذلك في شهر رمضان، لكن ذلك لا ينسجم مع ما تفيده الآية المباركة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، (إذ لا معنى لبقائه على وصف الهداية والفرقان في السماء مدة سنين) فإذا كان نزول القرآن بهدف هداية البشر فما معنى بقاؤه مدة سنين في السماء، فذلك يشكك في كون معنى الإنزال بمعنى النزول الدفعي إلى السماء.
 
وقد أجيب عن هذا الإشكال بما نقله صاحب الميزان من الفرق بين الشأنية والفعلية، فكون القرآن هادياً أي من شأنه هداية من يحتاج إلى هدايته، وذلك لا ينافي بقاءه مدة على حال الشأنية من غير فعلية التأثير حتى يحل أجله، مثله مثل القوانين المدنية التي كلما حان حين مادة من موادها أُجريت وخرجت من القوة إلى الفعل.
  
لكن صاحب الميزان أورد على هذه الإجابة بأمرين:
1- الفرق بين حكم القوانين وحكم الخطابات، فإن كان في الأولى يصح تقدم القانون على وقت الحاجة إليه، لكن الثانية لا يستقيم تقدمها على مقام التخاطب ولو زماناً يسيراً، مع العلم بأن في القرآن الكريم آيات كثيرة هي من قبيل الخطابات لا القوانين.
 
2- عدم صحة اجتماع الناسخ والمنسوخ في آن، إذ أن القول بالشأنية يلزم منه اجتماع الناسخ والمنسوخ في زمن نزول القرآن. 
ثم نقل صاحب الميزان إجابة أخرى عن الإشكال مؤدّاها أن المقصود بنزول القرآن في شهر رمضان نزول أوله لا جميعه، فأول ما نزل من القرآن نزل في هذا الشهر(26) ، بالتالي فإن جميع الآيات لم تكن الهداية فيها شأنيّة بل فعلية، لأنها نزلت في وقت الحاجة إليها.
 
وقد أشكل الطباطبائي على هذه الإجابة أيضاً بأمور ثلاثة:
1- المشهور أن البعثة كانت في السابع والعشرين من شهر رجب، وبدايتها كانت بالقرآن الكريم، ولا يعقل أن تخلو البعثة من القرآن الكريم أكثر من ثلاثين يوماً، أي من أواخر شهر رجب وإلى أوائل شهر رمضان.
 
2- إن أول ما نزل من القرآن سورة إقرأ، وكانت مصاحبة للبعثة، وهكذا سورة المدثر، وذلك لا يتماشى مع القول بأن أول آية من القرآن نزلت في شهر رمضان، حيث ثبت نزول سور كاملة قبله.
 
3- قوله سبحانه ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ غير صريح الدلالة على أن المراد بالقرآن أول نازل منه، و لا قرينة في الكلام تفيد ذلك بل الظاهر منه نزول القرآن كله.
 
ثم وبعد مناقشة هاتين الإجابتين قدم صاحب الميزان العلامة الطباطبائي رؤيته الخاصة لحل الإشكال، وملخّصها -بعد التسليم بكون الإنزال يعني الدفعية والتنزيل يعني التدريج،  وبعد العلم بأن الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو ليلة منه إنما عبّرت عن ذلك بلفظ الإنزال- أن الدفعية تعني أحد أمرين: 
 
الأول: النزول بلحاظ المجموع لا الأجزاء، وهو ما تم بيانه عند الإجابة على الإشكال الأول. وهذا بالطبع لن يحل الإشكال إذا كان المقصود بالنزول هنا نزول القرآن في السماء الأولى، لأن نزوله دفعة واحدة بهذه الكيفية مع فرض كونه هادياً لا معنى له، كما جاء في الإشكال. فلابد من البحث عن طريق آخر للتوفيق بين القول بنزول القرآن دفعة إلى السماء من غير أن يكون قد نزل إلى الناس، وبين كونه هادياً. 
 
الثاني: كون القرآن في الأصل حقيقة متعالية فوق مستوى الإدراك البشري، وهذه الحقيقة واحدة لا يتصوّر فيها التفصيل حتى تكون قابلة للتنزيل بالتدريج، ولذلك أنزلت على النبي -صلى الله عليه وآله- إنزالاً، وأما التفصيل فهو أمر طارئ على القرآن، بالتالي فأصل القرآن شئ والتفصيل شئ آخر عارض عليه، ويستفاد ذلك من آيات كثيرة كقوله سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ فعلي حكيم تعني أنه متعال وفوق ما تتناوله العقول البشرية العادية، لكن التفصيل طرأ عليه ليكون قابلاً للتناول من قبل تلك العقول وهو ما يعني جعله قرآناً عربياً. 
 
والذي أنزل على النبي -صلى الله عليه وآله- إنما هو الكتاب المتعالي ولهذا فنزوله كان دفعة واحدة، بينما الذي أنزل على الناس الكتاب الذي طرأ عليه التفصيل ولذلك كان نزوله بالتدريج، وهذا يحل الإشكال لأن الذي يراد منه الهداية الفعلية لسائر الناس إنما هو الكتاب المفصَّل وقد نزل فعلاً بالتدريج، فلا يأتي إشكال الفصل بين كونه هادياً وكونه قد نزل دفعة واحدة إلى السماء لا إلى الناس، وأما الذي نزل دفعة فإنما نزل على خصوص النبي -صلى الله عليه وآله- وليس موجهاً إلى عامة الناس حتى يقال بعدم معقولية الفصل بين كونه هادياً وبين بقائه في السماء بعيداً عن متناول الناس.
 
الإشكال الثالث:
ذهب البعض إلى أن التضعيف هنا إنما هو للنقل لا التكثير، من بينهم أبو حيان الأندلسي، والوجّه في ذلك ما جاء في نص كلامه (ونزلنا التضعيف فيه هنا للنقل، وهو المرادف لهمزة النقل . ويدل على مرادفتهما في هذه الآية قراءة يزيد بن قطيب مما أنزلنا بالهمزة، وليس التضعيف هنا دالا على نزوله منجما في أوقات مختلفة ، خلافا للزمخشري، قال : فإن قلت لم قيل: مما نزلنا على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت: لأن المراد النزول على التدريج والتنجيم، وهو من مجازه لمكان التحدي. وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري في تضعيف عين الكلمة هنا، هو الذي يعبر عنه بالتكثير، أي يفعل ذلك مرة بعد مرة، فيدل على هذا المعنى بالتضعيف ويعبر عنه بالكثرة. وذهل الزمخشري عن إن ذلك إنما يكون غالباً في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية، نحو: جرحت زيداً، وفتحت الباب، وقطعت، وذبحت، لا يقال: جلس زيد، ولا قعد عمر، ولا صوم جعفر، ونزلنا لم يكن متعدياً قبل التضعيف إنما كان لازماً، وتعديه إنما يفيده التضعيف أو الهمزة، فإن جاء في لازم فهو قليل. قالوا: مات المال، وموت المال، إذا كثر ذلك فيه، وأيضاً، فالتضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل، أما أن يجعل اللازم متعدياً فلا، ونزلنا قبل التضعيف كان لازما ولم يكن متعدياً، فيكون التعدي المستفاد من التضعيف دليلاً على أنه للنقل لا للتكثير، إذ لو كان للتكثير، وقد دخل على اللازم ، بقي لازماً نحو: مات المال، وموت المال. وأيضا فلو كان التضعيف في نزل مفيداً للتنجمي لاحتاج قوله تعالى: (لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة) إلى تأويل، لأن التضعيف دال على التنجيم والتكثير، وقوله: (جملة واحدة) ينافي ذلك. وأيضاً فالقراءات بالوجهين في كثير مما جاء يدل على أنهما بمعنى واحد. وأيضاً مجيء نزل حيث لا يمكن فيه التكثير والتنجيم إلا على تأويل بعيد جداً يدل على ذلك. قال تعالى: (وقالوا لولا نزل عليه ءاية) وقال تعالى: (قل لو كان فى الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول الآية، ولا أنه علق تكرير نزول ملك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض، وإنما المعنى، والله أعلم، مطلق الإنزال) 
 
كما قال بذلك الألوسي في تفسيره للوجوه نفسها وهذا نص عبارته (والتضعيف في ﴿ نَزَّلْنَا ﴾ للنقل وهو المرادف للهمزة، ويؤيد ذلك قراءة زيد بن قطيب (أنزلنا) وليس التضعيف هنا دالاً على نزوله منجماً ليكون إيثاره على الإنزال لتذكير منشأ ارتيابهم فقد قالوا:﴿ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة ﴾ وبناء التحدي عليه إرخاء للعنان كما ذهب إليه الكثير ممن يعقد عند ذكرهم الخناصر لأن ذلك قول بدلالة التضعيف على التكثير وهو إنما يكون غالباً في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية نحو فتحت وقطعت، و(نزلنا) لم يكن معتدياً قبل، وأيضاً التضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل وأما على أنه يجعل اللازم متعدياً فلا، والفعل هنا كان لازماً فكون التعدي مستفاداً من التضعيف دليل على أنه للنقل لا للتكثير، وأيضاً لو كان نزل مفيداً للتنجيم لاحتاج قوله تعالى: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جملة واحدة ﴾ إلى تأويل، لمنافاة العجز الصدر، وكذا مثل ﴿وَلولاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ ﴾ و ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً ﴾ وقد قرىء بالوجهين في كثير مما لا يمكن فيه التنجيم والتكثير، وجعل هذا غير التكثير المذكور في النحو وهو التدريج بمعنى الاتيان بالشيء قليلاً قليلاً كما ذكروه في تسللوا حيث فسروه بأنهم يتسللون قليلاً قليلاً قالوا: ونظيره تدرج وتدخل ونحوه رتبه أي أتى به رتبة رتبة ولم يوجد غير ذلك، فحينئذ تكون صيغة فعّل بعد كونها للنقل دالة على هذا المعنى إما مجازاً أو اشتراكاً فلا يلزم إطِّراده بعيد لا سيما مع خفاء القرينة).
 
وتقريب الإشكال أن التضعيف ليس للتكثير كما صوّره بعض المفسرين وإنما هو للنقل، أي نقل الفعل وجعله متعدياً بعد أن كان لازماً، فأصله (نَزَلَ) وهو لازم كقولنا (نزل الكتاب)، وبالتضعيف أصبح (نزَّل) فنقول حينها (نزَّل فلان الكتاب) والتضعيف هنا يرادف الهمزة (أنزل)، لهذا فالنقل غالباً هو المراد من التضعيف، ويستفاد ذلك من أمور:
 
إن دلالة التضعيف على التكثير إنما تحصل غالباً في الأفعال التي تكون متعدية قبل التضعيف، مثل فتَح وفتَّح، وقطَع وقطَّع، أما ما كان لازماً فلا، وفعل (نزّل) أصله لازم (نزَل) لهذا فتعديته لا تفيد التكثير.
 
إن التضعيف الذي يفيد التكثير لا ينقل الفعل من اللزوم إلى التعدية بل يدل على كثرة وقوع الفعل، فإذا استفيدت التعدية من فعل لازم بسبب التضعيف دل ذلك على أن التضعيف كان لمجرد النقل لا التكثير. ومفاد ذلك التفريق بين أنواع التضعيف، فمنه ما يفيد التكثير ومنه ما يفيد النقل، فما أفاد منه التكثير دل فقط على كثرة وقوع الفعل، ولا علاقة له بالتعدية لأن الفعل فيه في الأصل متعد، لما سبق البيان فيه من أن ما يفيد التكثير إنما هو الفعل المتعدي إذا ضعِّف بحسب الغالب، وأما ما أفاد منه النقل فلا علاقة له بالتكثير، وذلك يحصل في الفعل المضعَّف إذا كان في الأصل لازماً.
 
لو سلّمنا وقلنا بدلالة التضعيف هنا على التكثير، لوجب تأويل بعض الآيات القرآنية التي استعمل فيها الفعل المضعَّف (نزَّل) في الدفعة الواحدة لا الكثرة، كالآية السابقة حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ وقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ وقال جل شأنه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً ﴾ فمع أن الفعل في هذه الآيات جاء مضعَّفاً إلا أنه تعلق بالدفعة الواحدة لا الكثرة والتدرج، فالجملة الواحدة تعني دفعةً مرةً واحدة، وتنزيل الآية لا يتصوَّر فيه التجزئة للآية الواحدة بل هي تحصل دفعة واحدة، وكذلك الملك لا يمكن أن ينزل إلا دفعة واحدة لا مجزّءاً ومقطّعاً. فلو قلنا بأن التضعيف يفيد التكثير لحصل التهافت والتنافي بين صدر الآيات وعجزها.
 
وجود قراءات بالوجهين في بعض الآيات، كما في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ فقد قرأها يزيد (زيد) بن قطيب (أنزلنا). وأنزلنا باتفاق كلماتهم تعني الدفعية لا التدريج، وذلك يؤيد أن المراد من (نزّلنا) الدفعية، أي أن (نزّلنا) يراد منها في الآية ما يراد من (أنزلنا) تماماً، إذ لا يعقل أن يكون للآية معنيان متنافيان في آن.
 
فيتحصل من كل ذلك أن التضعيف هنا ليس للتكثير وإنما للنقل. ويمكن أن يراد به التدريج أيضاً، لكن لا بالمعنى الخاص المذكور في اللغة وهو النزول التدريجي في أزمنة متعددة، وإنما بمعنى دفعةً واحدة لكن قليلاً قليلاً، ولعل هذا ما يفهم من القراءة بالوجهين. والفارق بين الكيفيتين أن التدريج الخاص يعني النزول دفعات وبين كل دفعة وأخرى فاصلة زمنية قد تطول وقد تقصر، بينما التدريج المقصود هنا يعني النزول دفعة واحدة في زمن واحد إلا أنه يكون شيئاً فشيئاً بحيث تستغرق الدفعة الواحدة زمناً أطول من الدفعة بالمعنى الخاص. 
 
وهذا التعدد في الدلالة إنما يكون على نحو المجاز أو الاشتراك، أي أن المعنى الحقيقي للتنزيل هنا هو النزول الدفعي، ولكنه يستعمل أيضاً من باب المجاز في معنى التدريج المذكور، أو أن يكون مشتركاً لفظياً، بحيث يكون مستعملاً على نحو الحقيقة في المعنيين. هذا خلاصة ما ذكره الأندلسي والألوسي.
 
وجه آخر:
قدّم الدكتور محمد شحرور رؤية أخرى تلتقي بلحاظ مع القول بأن الإنزال دفعي والتنزيل تدريجي، لكنها تختلف شيئاً ما بلحاظ آخر. فهو يقول بأن الإنزال يعني أن القرآن نزل دفعة واحدة، والتنزيل يعني أن القرآن نزل بالتدريج طوال ثلاثة وعشرين سنة، لكنه تصرَّفَ في معنى الإنزال الدفعي، فقال بأن النزول متلازم مع الجعل، بالتالي فإنزاله دفعة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر يعني أن الله عز وجل جعل القرآن عربياً قابلاً لأن يُدرَك من قبل الناس في هذه الليلة دفعة واحدة.
 
فالقرآن في الأصل لم يكن عربياً، وإلا لكان الله عز وجل عربياً أيضاً، بمعنى لو أن الجعل الأولي للقرآن كان باللغة العربية للزم من ذلك كون الجاعل وهو الله سبحانه عربياً، بل القرآن في الأصل لم يكن مدرَكاً، وإنزاله يعني جعل غير المدرَك مدرَكاً من قِبَل الناس. لهذا قال الباري جلت قدرته مرة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ومرة أخرى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.
 
يقول: (فالقرآن في لوح محفوظ وفي إمام مبين هو من علم الله، وعلم الله هو أعلى أنواع علوم التجريد، وأعلى أنواع علوم التجريد هو الرياضيات لذا قال: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أي أن علم الله بالموجودات هو علم كمي بحت. فالإحصاء هو التعقل، والعدد هو حال الإحصاء. هذا القرآن موجود في لوح محفوظ وإمام مبين بصيغة غير قابلة للإدراك الإنساني وغير قابلة للتأويل، وبصيغة مطلقة. فعندما أراد الله أن يعطي القرآن للناس فالمرحلة الأولى كانت تحويله إلى صيغة قابلة للإدراك الإنساني النسبي، أي جرت عملية تغيير في الصيرورة. وهذا التغيير في الصيرورة عُبِّر عنه في اللسان العربي في فعل (جعل). إذ قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي كان له وجود مسبق قبل أن يكون عربياً فجعله عربياً (أي غير في صيروته) وهذا معنى الجعل. ولكنه أيضاً قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ والإنزال هو نقل غير المدرك إلى المدرك. أي كان القرآن غير مدرك (غير مشهر) فأصبح مدركاً، وهذا ما جاء في الإنزال. أي أن:
- الجعل: هو التغيير في الصيرورة.
- الإنزال: هو النقل من صيغة غير مدركة إلى صيغة مدركة (الإشهار).
 
ففي القرآن تلازم الجعل والإنزال أي جُعِلَ وأُنزِل عربياً. أي أن القرآن الموجود بين أيدينا ليس عين القرآن الموجود في لوح محفوظ وإمام مبين، وليست صيغته نفس الصيغة الموجودة فيهما. وإنما هو صورة قابلة للإدراك الإنساني «الإنزال» تم التغيير في صيرورتها (الجعل) حتى أصبحت مدركة، ثم وصلت إلى النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- مادياً عن طريق الوحي (التنزيل) والنبي –صلى الله عليه وآله وسلم- نقلها آلياً إلى الناس. وقد تم جعل القرآن وإنزاله عربياً على دفعة واحدة. وهذا ما حصل في ليلة القدر حين قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾.....
 
- التنزيل: هو نقلة مادية حصلت خارج الوعي الإنساني كالنقل بالأمواج، ولكن حصلت عن طريق جبريل إلى النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- وهو الذي تم على مدى ثلاثة وعشرين عاماً. ففي القرآن تلازم الجعل والإنزال وحصلا دفعة واحدة، وافترق التنزيل حيث جاء في ثلاثة وعشرين عاماً) .
 
الرأي المختار:
إن أهم ما ينبغي التأمل فيه للخروج برؤية نهائية حول المراد من الإنزال والتنزيل، الاستعمالات القرآنية لمفردة التنزيل فيما هو ظاهر في الدفعة الواحدة، فهي تشكّل نقضاً قوياً على القول بالتدريج، والإدعاء بأن التضعيف للنقل لا التكثير، والقول بأن بقاء القرآن في السماء الأولى بعيداً عن متناول المكلفين يتنافى مع الهدف من إنزاله وهو الهداية، بالإضافة لما تبناه الدكتور شحرور من أن الإنزال بمعنى نقل القرآن من صيغة غير مدركة إلى صيغة مدركة على المستوى الإنساني. فهذه الأمور الأربعة هي خلاصة الإشكالات والوجوه المذكورة وأهم ما ينبغي معالجته والنظر فيه. وأول ما ينبغي تصفحه هنا والتساؤل عنه هل ورد شيء بهذا الخصوص في المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أهل بيته الكرام عليهم الصلاة والسلام، حتى يكون مدخلاً للبحث ومدعِّماً لأحد الأقوال؟
 
روى الكليني في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن القاسم عن محمد بن سليمان عن داود عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وإنما أنزل في عشرين سنة بين أوله وآخره؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثم نزل في طول عشرين سنة، ثم قال: قال النبي -صلى الله عليه وآله-: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان وأنزل الزبور لثمانية عشر خلون من شهر رمضان وأنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان
 
كما روى العياشي عن إبراهيم عن الصادق عليه السلام رواية متطابقة مع رواية الكليني، إلا أن فيها (وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان). وبهذا المعنى تقريباً ورد عن ابن عباس، فقد أخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله بعضه في أثر بعض. كما أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل نجوماً.  
 
وبناء على هذه الروايات صرّح جمع من محدِّثي وفقهاء المسلمين بالتفصيل بين نزول القرآن جملة واحدة وبين نزوله تدريجاً، فقد قال الصدوق (القرآن نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور في السماء الرابعة، ثم نزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة) وأضاف: (وإن الله أعطى نبيه العلم جملة واحدة ثم قال له: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾).
 
وقال العلامة المجلسي في سياق تأييده لكلام الصدوق: (دلّت الآيات على نزول القرآن في ليلة القدر، والظاهر نزول جميعه فيها، ودلّت الآثار والأخبار على نزول القرآن في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة، وورد في بعض الروايات أن القرآن نزل في أول ليلة من شهر رمضان، ودلّ بعضها على أن ابتداء نزوله في المبعث فجمع بينها بأن: في ليلة القدر نزل القرآن جملة من اللوح إلى السماء الرابعة لينزل من السماء الرابعة إلى الأرض بالتدريج، ونزل في أول ليلة من شهر رمضان جملة القرآن على النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- ليعلم هو، لا ليتلوه على الناس، ثم ابتدأ نزوله آية آية وسورة سورة في المبعث أو غيره ليتلوه على الناس، وهذا الجمع مؤيَّد بالأخبار). وكذلك السيوطي، فقد علّق على ما روي عن عبد الله بن عباس بأنه (الأصح الأشهر).
 
وهذا التفصيل يمكن أن يكون تاماً فيما لو أمكن العمل بالروايات المذكورة، إلا أن بعضها ضعيفة السند والبعض الآخر فاقد للحجيّة، فأما رواية الكليني فضعيفة بمحمد بن سليمان، وهو بن عبد الله الديلمي (ضعيف جداً لا يعوّل عليه في شئ) كما نص على ذلك النجاشي، وأما رواية العياشي فمرسلة. وما نقله السيوطي وإن قال عن بعضه (أسانيدها كلها صحيحة) وعن البعض الآخر (إسناده لا بأس به) إلا أن السند فيه بأجمعه ينتهي إلى عبد الله بن عباس، وقوله ليس حجة ما لم يصرِّح بنقله عن المعصوم عليه  السلام. 
 
بناء على ذلك فالروايات كلها ضعيفة، ويصعب الاطمئنان إلى مثل هذا التفصيل استناداً فقط إلى مثل هذه الروايات، ولهذا أشكل الشيخ المفيد على ما اختاره الشيخ الصدوق بالقول (الذي ذهب إليه أبو جعفر في هذا الباب أصله حديث واحد لا يوجب علماً ولا عملاً). كما أشكل غيره بحسب ما نقل الشيخ معرفة في تحقيقاته حيث قال (وقد أخذ الظاهريون من أصحاب الحديث بظاهر هذه الروايات، مستريحين بأنفسهم إلى مدلولها الظاهري تعبّداً محضاً. أما المحققون من العلماء فلم يرقهم الأخذ بما لا يمكن تعقّله، ولا مقتضى للتعبد بما لا يرجع إلى أصول العبادات، ومن ثم أخذوا ينقدون هذه الأحاديث نقداً علمياً).
 
بهذا فالتوقف والتأمل في مثل هذا التفصيل سببه الأساس ضعف الروايات سنداً، لا بسبب ما قدّمه البعض من تساؤلات حول الفائدة من وراء نزول القرآن جملة واحدة في إحدى السماوات العُلى ثم نزوله تدريجاً على رسول الله صلى الله عليه وآله؟! إذ يمكن تصوّر حِكَمٍ وأهداف لمثل هذا التفصيل فيما لو ثبت، فالأمر ليس بمعجز لهذه الدرجة.
 
ولا لما أشكل به الشيخ المفيد على الصدوق من أن القرآن يتضمن إخباراً عن أحداث واقعية مستقبلية، وبصيغة الماضي أيضاً، وذلك يتنافى مع نزول القرآن جملةً واحدة قبل حصول تلك الأحداث، وهذا نص عبارته (الذي ذهب إليه أبو جعفر في هذا الباب أصله حديث واحد لا يوجب علماً ولا عملاً. ونزول القرآن على الأسباب الحادثة حالاً فحالاًيدل على خلاف ما تضمنه الحديث، وذلك أنه قد تضمن حكم ما حدث وذكر ما جرى على وجهه وذلك لا يكون على الحقيقة إلا لحدوثه عند السبب، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ وهذا خبر من ماض ولا يجوز أن يتقدم مخبره فيكون حينئذ خبراً عن ماض وهو لم يقع بل هو في المستقبل، وأمثال ذلك في القرآن كثيرة.
 
وقد جاء الخبر بذكر الظهار وسببه وأنها لما جادلت النبي صلى الله عليه وآله في حكم الظهار أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ وهذه قصة كانت بالمدينة فكيف ينزل الله تعالى الوحي بها بمكة قبل الهجرة فيخبر بها أنها قد كانت ولم تكن، ولو تتبعنا قصص القرآن لجاء مما ذكرناه كثيراً.... وقد يجوز في الخبر الوارد بنزول القرآن جملة في ليلة القدر أنه نزل جملة منه في ليلة القدر ثم تلاه ما نزل منه إلى وفاة النبي صلى الله عليه وآله، فأما أن يكون نزل بأسره وجميعه في ليلة القدر فهو بعيد مما يقتضيه ظاهر القرآن المتواتر من الأخبار وإجماع العلماء على اختلافهم في الأداء). لأن التحدث عن الأحداث المستقبلية التي لم تقع وبصيغة الماضي أيضاً لا يتنافى مع العلم الإلهي، فالماضي والحاضر والمستقبل عند الله سبحانه وتعالى سواء، فالله جلت قدرته يتحدث عن المستقبل كما يتحدث عن الماضي، لأن علمه لا يُحَد بالماضي الذي وقع بل يشمل المستقبل الذي لم يقع، وأي إشكال في نزول كلام عن الله عز وجل ينبئ فيه عن مستقبل كأنه حصل.
 
وبمثل هذا الكلام أورد العلامة المجلسي على مناقشة المفيد، قال: (ثبت بالأخبار المستفيضة أن جميع الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه أثبتها في اللوح المحفوظ قبل خلق السماء والأرض، ثم ينزل منها بحسب المصالح في كل وقت وزمان، وأما انطباقها على الوقائع المتأخرة فلا ينافي ذلك، لأن الله تعالى عالم بما يتكلمون ويصدر منهم ويقع بينهم بعد ذلك، فأثبت في القرآن المثبت في اللوح جواب جميع ذلك على وفق علمه الذي لا يتخلف، فالمضي إنما يكون بالنسبة إلى زمان التبليغ إلى الخلق). لهذا فالإشكال في القول بالتفصيل المذكور يتركز في الضعف السندي للروايات ليس إلا، ولو ثبتت هذه الروايات لما كانت هذه الإشكالات عائقاً يمنع من التمسك بها.
 
هذا وقد حاول بعض العلماء تقديم صورة أخرى للتفصيل، كالفيض الكاشاني الذي فسَّر النزول الأول الدفعي بالنزول على قلب النبي صلى الله عليه وآله، والثاني بالنزول التدريجي طوال سِنِيّ الدعوة، وهو ظاهر عبارته في الصافي: (إن القرآن نزل كله جملة واحدة في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان إلى البيت المعمور، وكأنه أريد به نزول معناه على قلب النبي صلى الله عليه وآله، كما قال الله ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قلبك﴾ ثم نزل في طول عشرين سنة نجوماً من باطن قلبه إلى ظاهر لسانه كلما أتاه جبرئيل عليه السلام بالوحي وقرأه عليه بألفاظه). 
 
وقد يفهم ذلك أيضاً من عبارة الصدوق، حيث قال: (وأن الله تبارك وتعالى أعطى نبيه العلم جملة واحدة، ثم قال له: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ وقال عز وجل: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿بَيَانَهُ ﴾). وتأييداً لمراد الصدوق قال المجلسي: (فلا استبعاد في أن ينزل هذا الكتاب جملة على النبي صلى الله عليه وآله، ويأمره بأن لا يقرأ على الأمة شيئاً منه إلا بعد أن ينزل كل جزء منه في وقت معين يناسب تبليغه، وفي واقعة معينة يتعلق بها).
 
وهذا أيضاً ما استقربه الشيخ أبو عبد الله الزنجاني -بحسب ما نقل عنه الشيخ معرفة- قال: (ويمكن أن نقول بأن روح القرآن-وهي أغراضه الكلية التي يرمي إليها- تجلّت لقلبه الشريف في تلك الليلة: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قلبك﴾ ثم ظهرت بلسانه الأطهر مفرَّقة في طول سنين: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾). إلا أن هذا التفصيل مجرد تأويل لا شاهد عليه من الروايات، وتفسير الكاشاني البيت المعمور بقلب النبي -صلى الله عليه وآله- تكلّف لا داعي له، وتأييده بالآيات المباركة المذكورة في غير محله.
 
فقوله سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قلبك﴾ لا ظهور له في النزول الدفعي المقابل للنزول التدريجي كي يُستشهَد به في هذا  المقام، وإنما هو في سياق الإخبار عن إحدى كيفيات نزول القرآن على النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- حيث أن واحدة منها نزول الروح الأمين بالآيات على قلب النبي -صلى الله عليه وآله- وهو شامل للنزول التدريجي حتى لو افترضنا تحقق النزول الدفعي. وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ فلا تعني أن القرآن الكريم كان قد نزل قبل ذلك على النبي صلى الله عليه وآله بشكل كامل، وأن الله عز وجل أمره أن لا يسبق الأحداث بقراءته أمام قومه، أي أن لا يقرأ شيئاً منه (إلا بعد أن ينزل كل جزء منه في وقت معين يناسب تبليغه، وفي واقعة معينة يتعلق بها) كما قال المجلسي، وإنما تعني أن الرسول عليه السلام كان إذا نزل عليه شيء من القرآن بادر بقراءته قبل تمام نزول الآية والمعنى. بل الغريب كيف أن الصدوق والمجلسي استظهرا ذلك المعنى من الآية مع عدم وجود رواية ولا ظهور للآية فيه.فقوله سبحانه: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ ليس فيه أي ظهور يدل على أن القرآن بأكمله كان قد نزل على النبي صلى الله عليه وآله قبل النزول التدريجي، بالتالي فلا قرينة متصلة لفظية تدل على ذلك، ولا قرينة منفصلة أيضاً من آية أو رواية.
 
وكذلك قوله جل شأنه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فقد روي عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وآله- كان إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه لحبه إياه وحرصه على أخذه وضبطه، فنهاه الله عز وجل عن ذلك، وهذا بالفعل هو ظاهر الآية أيضاً، فأين هذا من الاستدلال بهذه  الآية على النزول الدفعي. لهذا فالتفصيل الذي احتمله الكاشاني والزنجاني وقال به الصدوق ولم يستبعده المجلسي لا شاهد عليه من آية أو رواية، وإنما هو مجرد تأويل أو استظهار بلا ظهور.
 
إلى هنا نصل إلى القول بعدم الاطمئنان لوجود مأثور صحيح عن النبي -صلى الله عليه وآله- أو عن أهل بيته عليهم الصلاة والسلام، يمكن الاستناد إليه في التفريق بين الإنزال والتنزيل فلنعمد إذاً لمناقشة الإشكالات والوجوه المذكورة.
 
مناقشة الإشكال الأول:
أما بالنسبة إلى الآية من سورة الإسراء: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ﴾ فليس فيها ظهور للنزول الدفعي حتى يُسْتَدَل بها في المقام، فقول المستشكِل (بأن الكتاب المقروء إنما ينزل دفعة واحدة) ليس صحيحاً، فالمشركون الذين تعنيهم الآية المباركة إنما أرادوا نزول الكتاب، هذا هو الحد المتيقَّن الذي يمكن استظهاره من الآية، أما أنهم أرادوا النزول الدفعي أو التدريجي فهذا ما لم يمكن أن يدَّعيه أحد، إذ يمكن أن يراد الاستمرار في إنزال الكتاب وليس مرة واحدة. والمهم هنا أن ليس في الآية صراحة تنص على أنهم أرادوا النزول الدفعي، وبالتالي فالآية مجملة لا يمكن الاستدلال بها.
 
وهكذا بالنسبة للمقارنة المعقودة بين الآية من سورة الروم: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ والأخرى من سورة الحج: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ فاستعمال التنزيل تارة والإنزال تارة أخرى بالنسبة لموضوع واحد وهو نزول الماء من السماء لا يعني بالضرورة تطابق معنيهما، بل قد يعني اختلاف اللحاظ، فتارة يُنظَر إلى المطر بوصفه شيئاً واحداً، وتارة ينظر إليه بوصفه مركباً من أجزاء تنزل تباعاً، بالتالي ففي الحالة الأولى يكون إنزالاً وفي الثانية تنزيلاً.
 
بناء على ذلك فهذه الآيات لا يمكن أن يُنقَض بها، وإنما يمكن النقض بالآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وذلك لأن ﴿نُزِّلَ﴾ استُعْمِلَتْ في النزول الدفعي الظاهر من قوله سبحانه: ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾. وقد سبق منا عرض بعض الإجابات على هذا النقض، أحدها أنه من قبيل الاستثناء كما في إجابة الشيخ ناصر مكارم، والثاني ما أجاب به صاحب الميزان من تعدد اللحاظ، لكن الأمر مازال بحاجة لشيء من التأمل.
 
مناقشة الإشكال الثاني:
إن أصل هذا الإشكال منتفٍ بناء على ما تم تقريره مسبقاً من عدم الاطمئنان بصدور الروايات القائلة بالنزول الدفعي للقرآن إلى السماء الأولى. وذلك أن الإشكال ينص على عدم وجود أي معنى لبقاء القرآن في السماء الأولى لسنوات مع أنه ما أُنزِل إلا لهداية البشر، بمعنى إذا كان قد أنزل بهدف هداية البشر فما الفائدة من بقائه سنيناً في السماء الأولى. إلا أن القبول بهذا الإشكال فرع التسليم بصدور الرواية القائلة بالنزول الدفعي إلى السماء الأولى، بينما قد اتضح لنا مسبقاً ضعف الرواية، فلا يبقى بعد ذلك مجال لهذا الإشكال من أصل.
 
ومع ذلك لو سلّمنا بالصدور، فأي مانع عقلي من وجود حكمة لبقاء القرآن في السماء الأولى، فإن مجرد كون الإنزال بهدف هداية البشر لا يتنافى عقلاً مع بقاء القرآن مدة في السماء الأولى، إذ قد يكون في ذلك إشعار للمؤمن بعظمة القرآن الكريم حيث أنه نزل على مراحل، وقد يكون من قبيل الفرق بين الشأنية والفعلية كما نقله صاحب الميزان، وإن لم يقبله هو، فإن إشكاله عليه بأن حكم الخطابات تختلف عن حكم القوانين، حيث يمكن أن يسبق الثاني وقت الحاجة بخلاف الأول، وبعدم صحة اجتماع الناسخ والمنسوخ في آن، مردود بأن ذلك لا يصح بالنسبة للمقاس البشري، أما بالنسبة للمقاس الإلهي فلا إشكال، فإن العلم الإلهي لا يتقيّد بزمان ولا مكان.
 
مناقشة تفسير شحرور:
قوله بأن النزول الدفعي إنما يعني جعل القرآن عربياً وقابلاً لأن يدرَك، باعتبار أنه قبل ذلك لم يكن عربياً -وإلا لزم أن يكون الله سبحانه عربياً- ولا قابلاً لأن يدرك، هذا القول فيه مناقشات من جهات متعددة:
 
الأولى: أين الملازمة العقلية بين جعل القرآن في الأصل عربياً وبين كون الجاعل وهو الله سبحانه عربياً، فإذا كان الجعل الأساس للقرآن عربياً لزم منه كون الباري عز وجل عربياً أيضاً؟. هذا الكلام إنما يقال بالنسبة لنا نحن البشر، لا بالنسبة لله سبحانه، فجعل القرآن عربياً في الأصل إنما هو مشيئة من الله عز وجل، أي أنه شاء أن يجعله عربياً، في حين أنه قادر على جعله بأي لغة كانت.
 
الثانية: أن جعل القرآن قابلاً لأن يدرَك، قد يفهم من آيات أخرى كقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ بناء على القول بأن التيسير بمعنى القابلية للإدراك، لكن هذا الجعل -بناء على التسليم به- ليس له علاقة بالنزول الدفعي، فتفسير النزول الدفعي للقرآن بجعله قابلاً للإدراك فيه تكلف كبير.
 
الثالثة: إن القول بهذا الرأي مبتنٍ على كون الجعل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ بمعنى النقل من حالة إلى أخرى، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ بحيث يكون معنى الإنزال: النزول من حالة عليويّة إلى حالة أدنى، إلا أن الأمر ليس كذلك، فالجعل هو التكوين والتقدير، أي هكذا قدّره الله عز وجل وجعله، لا أنه نقله من حالة إلى أخرى.وهكذا بالنسبة للإنزال، فهو يعني أن الله سبحانه أنزله على عباده عربياً، لا أنه حوّله من حالة إلى حالة أخرى. لهذا لا يمكن الحكم بصحة أو معقولية تفسير الدكتور محمد شحرور بالنسبة لمفهوم الإنزال المنصوص عليه في هذه الآيات خاصة، وإن كان شيء من هذا التفسير تصدِّقه بحسب الظاهر آيات أخرى كما أشرت أعلاه.
 
مناقشة استنتاج الطباطبائي:
انتهى الطباطبائي بعد مناقشته لبعض الإشكالات المذكورة إلى القول بأن مفهوم الإنزال يراد منه الإنزال على قلب النبي -صلى الله عليه وآله- واعتبر هذا التفسير هو الأوفق لأسباب ذُكِرَتْ سلفاً.
لكن هذا الإستنتاج يفتقر إلى الدليل الواضح، فالروايات قاصرة عن إثبات هذا المعنى، وإن سعى الفيض الكاشاني لتأويلها بما يتناسب مع هذا كما سبق بيانه، حيث قال: (إن القرآن نزل كله جملة واحدة في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان إلى البيت المعمور، وكأنه أريد به نزول معناه على قلب النبي صلى الله عليه وآله) وواضح من قوله (وكأنه) عدم الجزم وإنما هو مجرد احتمال، وقد استدل له بقوله سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قلبك﴾ كما استدل له الشيخ الصدوق بقوله عز من قائل: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ إلى قوله ﴿بَيَانَهُ﴾.
 
وأقل ما يقال في هذا الاستدلال أنه مجمل من هذه الجهة، لعدم دلالة الضمير بشكل صريح في الآية الأولى على القرآن كاملاً، كما أن التعجُّل بقراءته وتحريك اللسان به ليس فيه إشعار بسبق نزول القرآن كاملاً على النبي -صلى الله عليه وآله-. فالآية الأولى ليست في مقام الحديث عن نزول القرآن كلاًّ أو بعضاً، وإنما هي في مقام بيان الكيفية التي ينزل بها جبرائيل بالآيات القرآنية على النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- إذ أنه ينزل بها على قلبه.
 
بل ورد في الروايات الصادرة عن أهل البيت عليهم السلام ما يُشعِر بكون المقصود في هذه الآية بعض الآيات، أي أن الضمير في قوله سبحانه: ﴿بِهِ﴾ يعود على بعض القرآن كآية أو أكثر، ففي بصائر الدرجات عن أبي محمد قال: قلت لأبي جعفر -عليه السلام-: أخبرني عن الولاية نزل بها جبرائيل من عند رب العالمين يوم الغدير؟ فقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ قال: هي الولاية لأمير المؤمنين. والنزول بالولاية يوحي بنزول بعض الآيات فقط، باعتبار أن القرآن نص على الولاية في آيات بعينها، كما أن الرواية تشير إلى أن النزول المقصود هنا إنما هو في يوم  الغدير.
 
وأما الآية الثانية فالتعجل بقراءة القرآن ليس فيه ظهور يؤكد على أن القرآن نزل كاملاً على النبي -صلى الله عليه وآله- بحيث يكون معنى التعجل قراءة النبي لبعض الآيات التي لم تنزل بعد في النزول التدريجي، وإنما تعني كما في تفسير القمي أن (رسول الله -صلى الله عليه وآله- إذا نزل عليه القرآن بادر بقراءته قبل تمام نزول الآية والمعنى) وهكذا نقل القرطبي عن ابن عباس، قال: (كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصاً على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك). وهكذا بالنسبة للآية الثالثة حيث ورد عن ابن عباس كما في المجمع (كان النبي صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه لحبّه إياه وحرصه على أخذه وضبطه مخافة أن ينساه فنهاه الله عن ذلك). لهذا لا يوجد دليل صريح من آية أو رواية يدل على أن النزول الدفعي للقرآن الكريم كان على قلب النبي صلى الله عليه وآله.
 
استنتاج:
مما مضى من مناقشة يتبيّن لنا قصور الأدلة عن إثبات إنزال القرآن الكريم كاملاً إلى السماء الأولى أو على قلب النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- وبهذا يمكن استخلاص النتائج التالية:
 
1- عدم ثبوت النزول الدفعي للقرآن بصورة كاملة، لا إلى السماء الأولى أو الرابعة -كما هو مجال الإختلاف بين ما روي عن ابن عباس وما روي عن أهل البيت عليهم السلام- ولا على قلب النبي صلى الله عليه وآله.
 
إذاً كيف نفهم قوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقوله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وما ورد في الخبر الصحيح عن حمران أنه سأل أبا جعفر -عليه السلام- عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال: نعم ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلاّ في ليلة القدر؟. أي كيف نوفِّق بين القول بعدم النزول الدفعي بالطريقتين المذكورتين وبين هاتين الآيتين والخبر الصحيح، إذ قد يقال بأنها ظاهرة في نزول القرآن جملة واحدة في ليلة القدر؟.
 
ربما يصح القول هنا بالإجمال، فالضمير في الآيتين: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ و (القرآن) في الرواية ليست صريحة في كون المراد كامل القرآن، بل تحتمل القرآن بأجمعه كما تحتمل بعضه، وإن كان الظهور في الاحتمال الأول أجلى. ومع ذلك فلو سلّمنا بهذا الاحتمال فالكيفية غير معلومة، فإذا لم يكن بالنزول إلى السماء الأولى أو الرابعة، ولم يكن على قلب النبي -صلى الله عليه وآله- فما هي الكيفية؟ ذلك غير معلوم ولا صراحة في الآيتين والخبر.
 
لهذا يُحتمَل أن يكون المراد بعض القرآن، ولا أظن أن الاستشكال بكون المبعث النبوي في رجب يمنع من القول بنزول البعض، إذ لا يشترط أن يكون المقصودُ بالنزول في ليلة القدر من شهر رمضان -بناءً على التبعيض- بدايةَ النزول بنحو مطلق ولا نزولَ أوّل شيء منه، بل يمكن أن يكون نزول الآيات الأولى من سورة العلق في السابع والعشرين من شهر رجب بمثابة الإبلاغ عن النبوة فقط لشخص النبي -صلى الله عليه وآله- أما النزول في ليلة القدر فهو لتبليغ الرسالة وإيصال الآيات القرآنية إلى الناس.
 
وما أشكل به العلامة الطباطبائي على ذلك من عدم معقولية خلو البعثة من القرآن الكريم أكثر من ثلاثين يوماً - كما جاء في ضمن كلامه السابق الذكر- لا يشكِّل مانعاً، فقد تكون ثمة حكمة تقتضي ذلك، بل قد حصل فعلاً كما نُصَّ عليه في قوله سبحانه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ فقد ورد في تفسير القمي عن أبي جعفر عليه السلام بخصوص هذه الآية: (وذلك أن جبرائيل عليه السلام أبطأ على رسول الله -صلى الله عليه وآله- وأنه كانت أول سورة نزلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ثم أبطأ عليه فقالت خديجة -رضي الله عنها-: لعل ربك قد تركك فلا يرسل إليك، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾).
 
2- النزول التدريجي للقرآن الكريم ثابت بالوجدان، حتى لو لم نقل بأن التنزيل يدل على التدريج، لأن القرآن واقعاً وبطريقة مشهودة للجميع كان ينزل بحسب المناسبات على مدى ثلاثة وعشرين عاماً.
 
لكن هذا التدريج هل يمكن استفادته من مفهوم التنزيل، أم أنه يفهم من الواقع الخارجي فقط؟ بحسب الظاهر إن ما عليه المشهور من المفسرين هو الأول، ويدعمه كلام بعض اللغويين كالراغب الأصفهاني كما مرّ معنا، بحجة أن التفعيل يدل على التكثير، وتأكيد الفعل بالمفعول المطلق ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ يشير إلى تفريق الإنزال.
 
وثمة قلّة كأبي حيان الأندلسي والألوسي قالوا بأن التفعيل هنا لا يدل على التكثير وإنما على النقل، بحجة أن التفعيل الدال على التكثير إنما يحصل غالباً في الأفعال التي تكون متعدية قبل التفعيل، أما التي تكون لازمة قبله -كالذي نحن بصدده- فتفعيلها يدل على النقل فقط.
وهو إشكال متين، غير أن الأندلسي والألوسي صرّحا في عبارتيهما أن هذا هو الغالب، وهو يعني وجود استثناءات، بمعنى أن تفعيل اللازم قد يدل على التكثير أيضاً، بالتالي يمكن أن يستدل عليه بالقرائن، فما المانع من أن يكون تصريح بعض اللغويين، وتحقق التكثير والتدريج خارجاً على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، والتزام مشهور المفسرين به، قرائن كافية للقول بالتكثير والتدريج في المقام ؟.
 
الظاهر هو ذلك، بل هو الأرجح، ومع هذا فالأمر يحتاج إلى تتبع الاستعمالات اللغوية للتحقق من الأمر بصورة أدق.وبناء على ذلك فالمورد الوحيد الذي قد يُتَمَسَّك به للاعتراض على هذه النتيجة، الآية المباركة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فهي ظاهرة في النزول الدفعي ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ بالرغم من وجود التفعيل. لكن الذي يبدو لي أن التفعيل هنا ﴿نُزِّلَ﴾ لا يفيد ما يفيده (أنزل) وإنما يبقى للتدريج أثر، فهو وإن كان بمعنى النزول الدفعي إلا أن لحاظ التدرّج والتكثّر موجود، بحيث يكون اللحاظ في (أنزل) القرآن كشيء واحد، بينما اللحاظ في (نزّل) القرآن بصفته أجزاءً، ويمكن تصوّر ذلك بسهولة، بل ويمكن أن يكون له حكمة خاصة أيضاً. والله العالم.
 
فتكون النتيجة الأكثر رجحاناً بناءً على ذلك، أن (أنزل) تفيد نزول بعض القرآن الكريم في شهر رمضان في ليلة القدر، وذلك في بداية الأمر بتبليغ الرسالة والقرآن إلى الناس، لا في بداية إبلاغ النبي صلى الله عليه وآله بنبوّته، وأن (نزّل) تفيد التدريج على مدى ثلاثة وعشرين عاماً. ومع ذلك فالأمر يتطلب تحقيقاً أوسع وتدقيقاً أشمل في مجال الاستعمالات اللغوية.
 
تنزيل الكتاب بالحق:
بعد أن فرغنا من البحث في مفهوم الإنزال والتنزيل، ينبغي أن نتوقف عند قوله سبحانه ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. فماذا يعني تنزيل الكتاب بالحق؟ لكلام الله عز وجل المنزَلِ عناوينٌ متعددةٌ، وكل عنوان راجع للحاظ خاص، فالكتاب له لحاظ خاص، وهكذا القرآن والفرقان، فلكل واحد منها لحاظه وإن كان بينها قواسم مشتركة. وسنتحدث عن كل عنوان في المناسبة المتعلقة به.
 
فما المقصود بالكتاب؟
لا شك أن العنصر المقوِّمَ للكتابِ الكتابةُ، كما أن العنصرَ المقوِّمَ للقرآنِ القراءةُ، والفارق العرفي بينهما واضح، لكن توجد فوارق لغوية دقيقة بينهما. أما في الروايات فقد عُرِّف الكتاب بأنه جملة القرآن، وعُرِّف القرآن بأنه جملة الكتاب، ففي صحيح عبد الله بن سنان عن الصادق -عليه السلام قال-: سألته عن قول الله تبارك وتعالى ﴿الم، اللَّهُ ﴾... إلى قوله ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ قال: هو محكم، والكتاب هو جملة القرآن الذي يصدقه من كان قبله من الأنبياء. وفي رواية الكافي قال: سألت أبا عبد الله -عليه السلام- عن القرآن والفرقان أهما شيئان أو شيء واحد؟ فقال: القرآن جملة الكتاب، والفرقان المحكم الواجب العمل به.
 
وذلك يعني أن القرآن هو الكتاب والكتاب هو القرآن، ولا شك في ذلك، فقوله سبحانه في مطلع سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يعني القرآن، كما أن قوله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ يعني الكتاب، مع أن هناك آيات قد تُشْعِر بوجود تمايز وتغاير بينهما، كقوله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فعطف الكتاب على القرآن ربما يُشَمّ منه شيء من الاختلاف. لكن الاختلاف بينهما ليس في الذات، لا من حيث التباين ولا العموم والخصوص من وجه ولا العموم والخصوص مطلقاً، بل النسبة بينهما من حيث الذات التساوي، والاختلاف إنما هو من حيث اللحاظ.
 
توضيح ذلك: أما من حيث الذات فلا تباين، لأن القرآن الكريم ليس شيئاً مبايناً للكتاب المبين، أي النسبة بينهما ليس التباين من جميع الجهات، بحيث يكون القرآن شيئاً والكتاب شيئاً آخر. ولا التباين من بعض الجهات فقط بمعنى العموم والخصوص من وجه، بحيث يكون بعض القرآن ليس كتاباً وبعض الكتاب ليس قرآناً، بينما يتحدان في بعض آخر، فيكون هذا البعض في الوقت نفسه كتاباً وقرآناً. كما أنهما ليسا من قبيل العموم والخصوص المطلق، بأن يكون كل الكتاب قرآناً وبعض القرآن ليس كتاباً، أو العكس. إنما النسبة بينهما التساوي، فكل القرآن كتاباً وكل الكتاب قرآناً، بمعنى أن كلام الله جل شأنه تارة نطلق عليه بأجمعه قرآناً وتارة نطلق عليه كتاباً. بالتالي فوجه التمايز بينهما ليس في الذات، وإنما في اللحاظ، أي في المفهوم اللغوي للكتابة والقراءة، وإن كانت هناك آراء أخرى تدّعي وجود تمايز حتى في الذات، وسنأتي عليها مفصَّلاً عند الحديث عن قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وقوله سبحانه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾.
 
هذا مع العلم بأن التعريف اللغوي لهما متقارب جداً، فالقراءة من قرى وهو (أصل صحيح يدل على جمع واجتماع... ومنه القرآن، كأنه سمّي بذلك لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص وغير ذلك) والكتابة من كتب وهي (أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء) وفي الجمهرة (كتب الكتاب يكتبه كتباً: إذا جمع حروفه وأصل الكتب ضمّك الشيء إلى شيء). فكلا اللفظين -القراءة والكتابة- يدل على جمع الأشياء وضمّها إلى بعضها، وكأنهما لفظان مترادفان.
 
ومع ذلك فبينهما اختلاف في اللحاظ، فالقرآن جمع للحروف في حال التلفظ، ولهذا قال الراغب في المفردات (القراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل) بينما الكتاب جمع للحروف في حال آخر وهو التثبيت على الورق وشبهه، ويُعرَف ذلك من الاستعمالات القرآنية، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾. وكأن الإشارة هنا إلى الفارق بين المدوَّن والمقروء، فكتاب الله عز وجل مدوَّن ومقروء، ولذلك آثار سنأتي عليها. لهذا فالمقصود بالكتاب: الجامع للأشياء المثبَتة خطِّيّاً، وهي هنا التعاليم والأحكام والعبر وأخبار الماضي والحاضر وما إلى ذلك. فهذا الجامع نزّله الله سبحانه وتعالى تدريجاً على النبي -صلى الله عليه وآله- بالحق.
 
فما المقصود بالحق هنا؟
مفهوم الحق متشعِّب، وله أبعاد لغوية وفلسفية، كما له تطبيقات فقهية وقانونية متعددة، وقد تحدّثتُ عنه مفصلاً في دراسات أخرى، وسأذكِّر في هذا المقام بما توصّلتُ له هناك في خصوص البحث اللغوي فقط. فقد فُسِّر الحق عند أهل اللغة تارة بأنه خلاف الباطل، وتارة بمعنى الوجوب والثبوت، والظاهر أن الثاني نتيجة تلقائية للأول. فقد قال صاحب المقاييس (حقّ: الحاء والقاف أصل واحد وهو يدل على إحكام الشيء وصحته، فالحق نقيض الباطل) ثم قال: (ويقال حقَّ الشيء: وجب). وهكذا قال المصباح (الحق خلاف الباطل) ثم قال: (وهو مصدر حقّ الشيءُ من بابي ضرب وقتل إذا وجب وثبت، ... وحققتُ الأمر أُحِقُّه إذا تيقّنته أو جعلته ثابتاً لازماً).
 
وفي لسان العرب (الحق: ضد الباطل) وفيه أيضاً «حقّ الأمر ويحقّ حقوقاً: صار حقاً وثبت، قال الأزهري: معناه وجب يجب وجوباً، وحقّ عليه القول وأحققته أنا. وفي التنزيل:﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾ أي ثبت، قال الزجاج هم الجن والشياطين، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي وجبت وثبتت، وكذلك: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ ﴾ وحقه يحقه حقاً وأحقه، كلاهما أثبته وصار عنده حقاً لا يشك فيه).
 
وقد استنبط الفقيه الأصفهاني من هذه الكلمات أن الحق مفهوماً يعني شيئاً واحداً وهو الثبوت، كما هو ظاهر عبارته التالية: (وأما الحق فله في اللغة معانٍ كثيرة، والمظنون رجوعها إلى مفهوم واحد، وجعل ما عداه من معانيه من باب إشتباه المفهوم بالمصداق، وذلك المفهوم هو الثبوت تقريباً، فالحق بمعنى المبدء هو الثبوت، والحق بالمعنى الوصفي هو الثابت، وبهذا الاعتبار يطلق الحق عليه تعالى لثبوته بأفضل أنحاء الثبوت الذي لا يخالطه عدم أو عدمي، والكلام الصادق حق لثبوت مضمونه في الواقع). وبالتالي فقول اللغويين (خلاف الباطل) أو (نقيض الباطل) يعني أن له وجوداً ثابتاً، باعتبار أن الباطل لا وجود له من رأس، أي أنه نوع من الكذب، وفي مقابله الصدق، أي الوجود الواقعي.
 
والثبوت المقصود هنا يعني أنه ثابت في نفسه، وقد يكون بمعنى الثبوت للغير إذا أُسند الحق إليه، فإذا قيل عن الشيء أنه حق كان بمعنى الثبوت في نفسه، وأما إذا قيل بأنه حق لفلان فهو يعني أنه ثابت له. ولاشك أن الحق لغوياً يتضمن معنى الثبوت، لورود هذا المعنى في كلمات اللغويين، لكن الكلام هل المراد الثبوت فقط، أم هناك لحاظ آخر؟.
 
يلاحَظ في تعريفات اللغويين المذكورة أعلاه ورود لحاظ آخر بضميمة الثبوت، وهو الوجوب في بعضها، واللزوم في بعض آخر.
فهل المراد هنا بالوجوب ما يرادف الثبوت، كما قد يظهر من عبارة لسان العرب حيث أنه عرّف الثبوت بالوجوب، قال (حقّ الأمر ويحقّ حقوقاً: صار حقاً وثبت، قال الأزهري: معناه وجب يجب وجوباً) بل ذكر المقاييس الوجوب دون الثبوت، قال (حق الشيء: وجب). أم أن في الوجوب لحاظاً إضافياً، كما قد يظهر من عبارة المصباح حيث أنه عطف الثبوت على الوجوب، قال (وجب وثبت) والعطف يدل على المغايرة ولو النسبية، كما أنه ذكر حالين للحق وهما الثبوت واللزوم، قال (وحققتُ الأمر أُحِقُّه إذا تيقّنته أو جعلته ثابتاً لازماً).
 
ويضاف إلى ذلك أيضاً اعتبار ولحاظ آخر في تعريف الحق نصَّ عليه اللغويون، وهو اليقين والمطابقة التامة للواقع، ففي العبارة الأخيرة للمصباح نُصَّ على اليقين (تيقّنته) وفي المقاييس نُصَّ على الإحكام والصحة (حقّ: الحاء والقاف أصل واحد وهو يدل على إحكام الشيء وصحته). والظاهر وجود مغايرة ولو من جهة بعض اللحاظات لا جميعها، أي ليس من الضرورة أن يكون التغاير بمعنى التباين المطلق، فيكفي أن يكون بمعنى العموم والخصوص من وجه، والظاهر أنه كذلك، وذلك أن اللغويين يعتمدون في تعريف الألفاظ وتشكيل معانيها على الإستعمالات العرفية عند قدامى العرب: فالعرب تارة يستعملون اللفظ في معنى ومجال واحد فقط، فيُفْهَم بذلك أن معنى اللفظ هو هذا لا غير، كما هو ظاهر استعمالاتهم للفظ (صنم) وهو الشيء الذي يُتَّخَذ للعبادة، مع بعض التفاصيل لسنا بصددها في هذا المقام، ولذا قال صاحب المقاييس (صنم: كلمة واحدة لا فرع لها).
 
وتارة يستعملونه في معانٍ ومجالات حقيقيّة متعددة، فيُفْهَم بذلك وجود اشتراك لفظي، كلفظ (عين) المستعمَل في العين الباصرة والعين النابعة وغيرهما على نحو الحقيقة، وكلفظ (ظنَّ) المستعمَل بمعنى تيقّنَ وبمعنى شكَّ على نحو الحقيقة بحسب الظاهر، وكلفظ (شعب) الدال على الافتراق والاجتماع، وفيه قال الخليل الفراهيدي (من عجائب الكلام ووسع العربية أن الشّعب يكون تفرّقاً ويكون اجتماعاً). وقد يستعملون اللفظ أيضاً في عدة مجالات لكن لا بمعنى الاشتراك اللفظي، وإنما بمعنى أن اللفظ يدل على مجموع ذلك في آن، والظاهر لمن له أنس بالكتب اللغوية أن غالب تعريفات اللغويين هي من هذا القبيل، ولهذا تجدهم في تعريف الألفاظ يستشهدون بأمثلة كثيرة من استعمالات العرب، بحيث يكون كل مثال يشير إلى جزئيّة من كُلِّي المعنى، كالذي نحن بصدده تماماً.
 
وبناء على ذلك فالذي يظهر أن لفظ الحق يُستعمَل بمعنى الوجوب، وبمعنى الثبوت أيضاً، كما يستعمل بمعنى المطابقة للواقع يقيناً. وكل واحد من هذه المعاني لا يعني الآخر وإن اتّحد معه في بعض الأجزاء، فالحق يعني المفهوم الجامع للوجوب والثبوت والمطابقة للواقع.
 
والوجوب هنا لا يعني الوجوب الذاتي العقلي، بحيث يكون معنى الحق: الواجب الوجود عقلاً في مقابل الممكنات العقلية، لأن الحق قد يكون واجباً وقد يكون ممكناً،وإنما يعني الوجوب العرفي، الذي يستمد الوجوب الشرعي منه معناه، فالوجوب هنا بمعنى اللزوم، ولهذا جاء في تعريف المصباح (جعلته ثابتاً لازماً) فالحق في معناه يستبطن اللزوم، أي أن تكون الجهة التي عليها الحق ملزَمة به. فبالإضافة إلى كونه ثابتاً في نفسه، فإنه واجب على من هو عليه.
 
وليس هذا فحسب، بل ثمّة إضافة أخرى لمفهوم الثبوت، وذلك أن الثبوت مفهوم تشكيكي، أي يمكن أن تكون له مراتب، والثبوت في مفهوم الحق يرقى إلى أعلى المراتب، ولهذا أُخِذ في مفهومه المطابقةُ اليقينيةُ للواقع، فقد ورد قيد اليقين في عبارة المصباح المتقدمة، كما ورد أيضاً قيد الإحكام والصحة في عبارة المقاييس، وكلاهما يدلان على المطابقة التامة للواقع.
 
من جميع ذلك يمكن لنا استنباط المعنى الجامع لمفهوم الحق لغويّاً، فهو يعني: الثبوت المطابق للواقع برتبة اليقين، والواجب على من هو عليه، أي هو ثابت في نفسه يقيناً، وملزِمٌ لمن هو عليه. فالحق لا يعني الثبوت المجرّد فقط، وإنما يضاف إليه لحاظان، أحدهما اليقين، والثاني الإلزام للغير. فإذا أُطلِق أُرِيدَ به هذا المعنى المركّب.
 
من جميع ما مضى بحثه يتضح لنا أن المعاني المدوَّنةَ ﴿الْكِتَابَ﴾ المنزَلةَ تدريجاً ﴿نَزَّلَ﴾ ثابتةٌ ومطابقةٌ للواقع يقيناً، وملزِمَةٌ ﴿بِالْحَقِّ﴾ لمن أُنزِلتْ عليه، وهو نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله ﴿عَلَيْكَ﴾ وأُمَّتُه، والاقتصار على ذكره عليه السلام في الآية لا يفيد الاختصاص، وإنما لأنه الواسطة والطريق الموصِل لتلك المعاني إلى سائر العباد.
 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/03/03   ||   القرّاء : 4924















البحث :


  

جديد الموقع :



  قصة الأحكام – الجزء الثالث

 الأرض لمن عمرها: اسلوب اقتصادي ناجح

 في رحاب السيدة معصومة عليها السلام

 دار العلم في دولة بني عمار.. مفخرة إسلامية

  خلال تكريم الكرباسي: أعلام العراق يؤكدون على فرادة الموسوعة الحسينية

  دولة بني عمار في طرابلس.. حاضرة من حواضر الشيعة

 نهج الشيعة.. تدبرات في رسالة الإمام الصادق-عليه السلام- إلى الشيعة

  الشعائر الحسينية في أندونيسيا

 الذاكرة التاريخية للنياحة على الحسين (ع)

 الباحث المسيحي بندكتي ودور التطبير في مقاومة الاستبداد في العراق (*)



ملفات عشوائية :



 رابطة الرسول الأعظم تعقد لقاءها السنوي الثاني لخدّمة الإمام الحسين ع

  الإسلام وإشكاليات الحداثة - الحلقة (15)

  جبرئيل والشيطان في معركة بدر - بمناسبة المولد النبوي الشريف

 حفظ كتب الضلال ومسببات الفساد

  لغة الحوار - الحلقة الثانية

 البعد الاجتماعي في شخصية العلامة المرهون

 بيان سماحة المرجع الشيرازي بمناسبة الزيارة المليونية للإمام الحسين(ع)

 حجر بن عدي الكندي

 شروحات على الكتب الأربعة

 خواطر مهدوية

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 6

  • الأقسام الفرعية : 22

  • عدد المواضيع : 427

  • التصفحات : 2343134

  • التاريخ : 24/06/2017 - 08:11

مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية : info@alanwar14.org @ Alanwar14.Com - Alanwar14.Org - Alanwar14.Net
 

تصميم، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net