أهلا وسهلا بكم في موقع مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية ، للتواصل : info@alanwar14.org

الصفحة الرئيسية

من نحن

أخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

مقالات وآراء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

تحقيقات

اصدارات اللغات الأجنبية

طلبات كتب اللغات

طلبات الكتب

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا

   مقالات وآراء >> مقالات مختارة >> علم المستقبل علم مبتكر - دروس في التفسير والتدبر، الأربعاء 2/ 8/ 1434هـ .

علم المستقبل علم مبتكر - دروس في التفسير والتدبر، الأربعاء 2/ 8/ 1434هـ

سماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي
 
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الارضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم. 
 
يقول الله تعالى في كتابه الكريم (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً).
 
علم وفقه المستقبل. 
هناك علم مستحدث يسمى (علم المستقبل) وهو علم مبتكر قد يبلغ من العمر مئتي سنة او اقل او اكثر، وهناك فقه يسمى (فقه المستقبل) وهو بحث فقهي مستجد لعله يبلغ من العمر ما يقرب من العقد او العقدين من الزمن. فقد كتب السيد الوالد -رضوان الله تعالى عليه وعلى علماءنا الابرار- كتابا باسم (فقه المستقبل) وقد طبع حديثاً.
 
ان فقه المستقبل وعلم المستقبل يتناول بالبحث والدراسة مجموعة من القضايا نشير بإذن الله تعالى إلى عناوين بعضها الان ونترك التفصيل الى وقت اخر. ونتوقف عند بيت القصيد في هذه الاية الكريمة (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ).
 
وفقه المستقبل يتناول بالدراسة علم المستقبل من حيث الاحكام الشرعية في معادله (الفقه الأصغر) ومن حيث الرؤية الكونية – الإلهية في معادلة (الفقه الأكبر) اذ اننا ننظر في الفقه الاكبر إلى الذي تكشف عنه الآيات والروايات عن أسس علم المستقبل وقواعده، ومقدماته، ونتائجه، فنقول: ان علم المستقبل في الاساس يتحدث عن جانبين رئيسيين:
 
الثوابت المستقبلية: أي ان علم المستقبل يحاول ان يكشف لنا وان يعرّفنا على الثوابت التي تحكم المستقبل، وهذا المستقبل بين قريب ومتوسط وبعيد، الا ان علم المستقبل الحديث يقصر الحديث عن المستقبل القريب والمتوسط المنظور, ولا يطال علم المستقبل البعيد الدنيوي الذي يتعلق بمرحلة ظهور الامام المهدي المنتظر (عج) كما ان علم المستقبل الحديث قاصر عن الحديث عن المستقبل الذي يتعلق بما وراء هذه الحياة الدنيا، الا ان فقه المستقبل الديني يشمل المراحل الثلاثة باكملها، كما تضمنته ايضا دفة هذا الكتاب حيث تحدث أولاً كما يتحدث العلماء حالياً عن المدى القريب والمتوسط فيما يسبق مرحلة الظهور المبارك، ثم عقّد فصلاً اخر لما بعد الظهور الميمون، وكما أفرد فصلاً ثالثاً للحديث عن مراحل ما بعد هذا العالم أي عالم البرزخ ثم القيامة ثم الجنة والنار.
المتغيرات المستقبلية، وهي التي تندرج في إطار البدائل المستجدة في دائرة السيناريوهات المختلفة، مما يسمى في العرف الديني بـ(البداء(... .
 
علينا ان نعيش فقه المستقبل دائماً.
وعلم المستقبل وفقهه مما ينبغي ان يعايشنا ثانية بثانية، لان مستقبلي هو نفسي بنفسي، فان الإنسان في الماضي والإنسان في الحاضر والإنسان في المستقبل هو هو، وإذا كانت هذه الاصبع هي جزء من الإنسان، فان غداً هو عينه، وليس جزءاً له، فالغد إذاً هو مرتبة أعلى -إن صح التعبير- وكما ان الإنسان يحرص على ان لا تقطع بعض اعضاءه، ينبغي له ان يحرص على ان لا يفنى مستقبله، لان فناء مستقبله فناءه هو هو، وهذه الآية الشريفة تشير إلى إحدى ثوابت فقه المستقبل كفقه الحاضر وكفقه الماضي ايضاً، فهي قاعدة وسنة إلهية مطردة في علاقة الإنسان بخالقه وفي علاقة العبد بربه، إذ تحدد هذه الآية احدى الثوابت التي لا يمكن ان تتغير وهي علاقة الكدح. 
 
(الكدح) من ثوابت مستقبل الإنسان. 
(يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) وسواء أكان الإنسان مؤمناً ام كان كافراً وسواء أكان نشيطاً ام كان كسولاً، أكان مجتهداً ام كان عطاراً او بقالاً او مزارعاً، أكان نبياً ام كان فرعوناً (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ) فالانسان بما هو انسان، سنة الله التكوينية اقتضت بان يكون كادحاً في الحياة، شاء ام ابى. وبمناسبة العطلة الصيفية والعطل التي تغطي ايام السنة، فان الانسان ينبغي له ان يضع هذه الآية نصب عينيه وان يكدح إلى ربه كدحاً حثيثاً بالغاً، وان يعلم بانه اذا فر من كدح فسيقع في كدح اخر أي انه إذا فر من مصداق فسيبتلى بمصداق اخر من الكدح.
 
ان بعض الناس يرون العطلة أيام الخميس والجمعة أو العطل الصيفية في المدارس في منتصف السنة، فرصة سانحة للهو واللعب أو النوم والاستراحة أو الأكل والشرب.. كلا.. (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) والكدح: هو السعي الشديد بمشقة. إذا فرّ المرء من الكدح في طاعة الله، ارتطم بالكدح في سخطه أو فيما لا جدوى منه وهذه هي سنة الله، فان الإنسان إذا لجأ للمزيد من النوم -كما يفعل البعض- ولهى عما خُلق له (أو أكون كالبهيمة المربوطة, همها علفها، وشغلها تقممها) فلو ان الإنسان فعل ذلك، فانه سيتورط بمشقة أخرى من حيث لا يحتسب.
 
وذلك على عكس الإنسان المجد في الدراسة طوال السنة الذي لا يعرف الكلل ولا الملل، صيفاً, شتاء أسواء كان في عطلة او كان في غير العطلة، فانه منشغل بالدراسة والتزود العلمي ليلاً ونهاراً، فإذا انتهت الأيام الدراسية فانه ينشغل بمطالعة التفسير والتدبر في القران الكريم مثلاً ليلاً ونهاراً، كأيام الدراسة بل اشد، وقد رأيت شخصياً العديد من العلماء والطلاب كانوا من هذا القبيل إذ كانت أيام العطلة في حياتهم حافلة بالبرامج أكثر -لعله- من أيام أسبوعهم الدراسية، وذلك لأنهم يعرفون ما هو الهدف من هذه الخلقة، فاننا لم نخلق لنستريح وننام أو نلهو ونلعب، وايضاً لان الإنسان لو فر من مصداقِ كدحٍ بان نام أكثر مثلا، ابتلاه الله بكدحٍ اكبر كالابتلاء بمرضٍ او مصيبة او غيرهما مما لم يكن يُقدّر له لو انه بذل وقته في العلم، وذلك كالابتلاء –على سبيل المثال- بمرض (الزهايمر) فان العلماء عادة لا يبتلون بهذا المرض مع انه يطال كبار السن غالباً، وما ذلك الا لسعيهم في طلب العلم وكدحهم في طاعة الله وفي هداية ومساعدة الآخرين.
 
وقد ثبت علمياً ان احد أهم أسباب مرض الزهايمر هو لجوء الإنسان للكسل وعدم تنشيطه وتشغيله خلاياه الرمادية الموجودة في دماغه على مدار الساعة، فيُبتلى بهذا المرض المذل الذي يفقد الإنسان ذاكرته ووقاره في عمر الـ(60) او (70) أو حتى الأقل من ذلك والعياذ بالله. فلماذا لا يختار الإنسان الكدح الذي يرضي الله سبحانه وتعالى؟ ولماذا يسوق نفسه الى كدح هو على اقل التقادير مما لا فائدة فيه، فان الكدح بمعناه الكلي سنة إلهية تطوِّق حياة الإنسان وتملأ جوانبه سواء عمل صالحا أو طالحا، فلو ان الإنسان هرب من مسؤولية تربية أولاده والكدح عليهم وإصلاح شؤونهم وضيّعهم، فانه سيبتلى بكدح آخر وهمٍّ آخر، إذ ستجد مثلاً ان أولاده وزوجته ينقلبون ضده فينغصون عليه عيشته أو يشط بعضهم عن الدرب، فيقع هو في الكدح الذي فر منه. 
 
وإذا لم يتصدّ المرء لمسؤوليته الدينية والشرعية في المجتمع من خطابة وتأليف وهداية وإرشاد وتأسيس للمؤسسات بدعوى أنها صعبة، فانه حيث فر من مشقة تأسيس المؤسسة، فانه سيبتلى بمشاكل أخرى من قبيل ابتلاءه بجار له يؤذيه أو بحاسد يقلوه، أو بمرض أو بفقر لم يكن يقدر له لو انه ضحى وعمل وسعى. فلم لانختار الكدح الافضل لآخرتنا بل ولدنيانا أيضاً؟ (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) و(ان) هي للتاكيد، و(إِلَى رَبِّكَ) فيها اكثر من احتمال، وما المقصود بـ(كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ)؟ هل هي بمعنى لربك؟ او تبقى على ظاهرها (إِلَى رَبِّكَ)؟ وهناك احتمالات متعددة في مرجع الضمير في (فَمُلاقِيهِ) نتركها إلى البحث القادم ان شاء الله.
 
كما ان الروايات الشريفة تشير إلى جوانب كثيرة إلى فقه المستقبل أي مستقبلنا نحن، وكمثال على ذلك: على الإنسان ان يفكر مع نفسه هل أنا من أهل الجنة ؟ او من أهل النار؟ -والعياذ بالله- وهذا هو ما يحتاج إلى علم وفقه المستقبل، فان هناك مؤشرات وأدلة على ذلك، كما ان هنالك ضوابط ومقاييس.
 
على باب النار مكتوب: أنا حرام على المجتهدين! 
منها: ما ذكرته الرواية التي نقلها الشيخ شاذان بن جبرائيل القمي في كتاب الروضة والفضائل، والرواية مطولة ينبغي ان يحفظها الانسان وهي تكشف لنا عن ما هو مكتوب على أبواب الجنة وأبواب النار... (مكتوب على الباب السادس من أبواب جهنم: انا حرام على المجتهدين... ) وذلك يعني ان المجتهدين لا يدخلون نار جهنم، فإذا أراد الإنسان ان يكون من الذين تحرم عليهم النار فعليه ان يكون مجتهداً في طاعة الله، وذلك يعني أيضاً ان العطلة والتعطيل، بمعنى التوقف والانزواء والانكفاء، يجب أن لا يكون لها مجال في حياة الإنسان الذي يعرف انه لم يخلق عبثاً (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).
 
 
ان الإنسان لم يخلق لينام أو ليأكل أو ليتمتع ويجمع الأموال في البنوك أو يعتدي على الآخرين ويستحقر المؤمنين، كلا، بل نحن مخلوقون للامتحان وهناك حساب دقيق عسير شاق. وان الانسان سوف يحاسب على الكلمة الواحدة مهما كانت، فمن يستعلي –مثلاً- على زوجته أو أولاده أو الآخرين من جيرانه أو أصدقاءه أو شعبه، فانه يورط نفسه في المسائلة الشديدة والحساب العسير وقد يُحسب من الظالمين. قال تعالى (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) اذن مكتوب على باب جهنم: (انا حرام على المجتهدين) وليس على الكسالى أو النائمين أو العاطلين عن العلم والعمل. بل هي حرام على المجتهدين في طاعة الله وفي رفع راية الدين عالية خفاقة، المجتهدين في الدراسة وفي تهذيب النفس.
 
لماذا نطلب العلم؟ 
وهنا لا بد ان نسال أنفسنا: لماذا جئنا إلى النجف الاشرف؟ ينبغي ان يكون الجواب العلمي والعملي: اننا جئنا لنتزود من علوم أهل البيت -عليهم الصلاة والسلام- ومن علم أمير المؤمنين -عليه الصلاة والسلام- ولكي نهذب أنفسنا، ولكي نخدم عباد الله ونتواضع لهم إلى ان يصلوا إلى كمالهم المنشود باذن الله تعالى، وعندها سوف تحرم علينا النار بفضل الله وكرمه وبشفاعة الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام.
 
ومكتوب: انا حرام على المتصدقين والصائمين.
كذلك مكتوب على الباب السادس من أبواب جهنم: (...انا حرام على المتصدقين (فان الذي يتصدق بالمال في سبيل الله تعالى، أو الذي يتصدق بماء وجهه في إصلاح بين عشيرتين او حزبين او شخصين او غير ذلك، تحرم عليه النار، علماً ان ظاهر (المتصدقين) هو ان يكون هذا حاله ودأبه وديدنه، لا أن يتصدق مرة واحدة أو مرتين!
 
ان المصلح عادة يرشق بالسهام من الطرفين لأنه يسعى بطبيعته إلى الحل الوسط وان يقرب هذا إلى ذاك وذاك إلى هذا، الأمر الذي يقتضي الضغط على كلا الطرفين كي يقدموا تنازلات قد لا تتفق مع هوى الطرفين، فلا يرضيان عنه، فيرشقان المصلح بينهما بجارح القول أو يقومان بتخوينه أو غير ذلك، وهذا نوع جهاد يثيبه الله عليه بان يحرم النار عليه، وكذلك الذي يتصدق بوقته وراحته، في سبيل الله تعالى أو الذي يتصدق بماله وحلاله وقد ورد (منهومان لايشبعان: طالب العلم، وطالب المال) والأول لابأس به بل هو راجح لانه كمال، اما الثاني فهو مرجوع اذا خرج عن حد الاعتدال فالذي يحصل على بيت ليسكنه ما الذي يدعوه للبحث عن بيت اخر هاهنا وهنالك؟ والذي له كفاية من العيش ما الذي يدعوه إلى تضخيم أرصدته في المصارف؟
 
فماذا ينفع الانسانَ جمعُ المال؟ الا الهمّ والنكد والانشغال ليلاً ونهاراً بتدبير شؤون تجارته ومعاملاته وارباحه وخسارته. وهل يبني الانسان على الجسر بيتا؟! (فان الدنيا قنطرة "جسر" فاعبروها ولاتعمروها) وايضاً مكتوب على الباب السادس من ابواب جهنم: (انا حرام على الصائمين).
 
أبواب الجنة.
أما أبواب الجنة فقد كتب على الباب الثامن من أبوابها: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيٌّ وَلِيُّ اللَّهِ، مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ فَلْيَتَمَسَّكْ بِأَرْبَعِ خِصَال:
السخاء: ويعني السخاء (في معناه الأعم): ان يبذل الإنسان ما يملك وما يستطيع من مال أو وقت أو علاقات في سبيل الله والمستضعفين ولبناء الوطن وإعمار البلاد فلماذا يبخل الإنسان؟! والأغرب من ذلك ان يبخل بمال الاخرين! (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) فإذا ما أراد الآخر التبرع فانه يثبطه ويثنيه عن عزمه!.
 
حسن الخلق: فما أروع ان يتحمل الإنسان أخاه الإنسان إذا ما صدر عنه ما يؤذيه به؟! بل لنتلقى ذلك بنفسية طيبة، لان اهانة الأخر لنا تعني ان جزءاً من اجر أعماله الصالحة سينتقل لنا فهو في الحقيقة احسن لنا من حيث لا يشعر وليس العكس، فلو ان احدهم اغتاب مؤمناً فانه لو كان قد تصدق او صلى صلاة الليل او ما أشبه وبنى لنفسه بذلك قصراً في الجنة، فان الثواب سوف ينتقل إلى المُغتاب -على اسم المفعول- وهكذا كلما تعدى أو ظلم أو غصب حقاً او اهان بجارح القول أو غيره فان ثوابه سوف ينتقل إلى الآخرين الذين اساء إليهم.
الصدقة .
الكف عن أذى عباد الله. 
 
فعلى الإنسان ان يفكر في هذه المكارم العالية ويرعاها في ذاته وينميها، وعلى الإنسان في العطلة ان يراجع بتدبر دعاء مكارم الأخلاق للإمام زين العابدين -عليه الصلاة والسلام- ويحاول ان يطبق تلك المعاني السامية في نفسه: (اللهم صل على محمد وال محمد وبلغ بإيماني أكمل الإيمان واجعل يقيني افضل اليقين...) فما هي درجة يقيني بالآخرة؟ وما هو عمق يقيني بالموت؟ والحساب؟ والجنة والنار، وهل تجلى ذلك على الجوارح كلها؟ 
 
(وانته بنيتي إلى أحسن النيات وبعملي إلى أحسن الأعمال...) وذلك يعني ان لا يدرِّس الإنسان أو يحاضر ويخطب أو يعمل ويؤسس للشهرة والجاه أو المال أو شبه ذلك. ان العطلة الصيفية او غيرها من العطل، ليست الا لكي يبذل المرء جهداً استثنائياً يتكامل اكثر فاكثر في هذه الحقول.
 
تصدق الإمام علي -عليه السلام- بخاتمٍ نادر، فتصدق الأصحاب بأربعمائة خاتم! وقد جاء في الرواية كما ينقلها الشيخ شاذان بن جبرائيل القمي في كتاب الروضة والفضائل بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ان النبي -صلى الله عليه وآله- كان جالساً في المسجد وحوله جمع من الصحابة -قد يصل عددهم إلى المئات بحسب ما لعله يظهر من اخر الرواية- فدخل اعرابي اشعث الحال عليه أثواب رثة تظهر سيماء الفقر على وجهه، وانشد أبياتاً يصف بها حاله فبكى رسول الله -صلى الله عليه وآله- بكاءاً شديداً -وهو امر عظيم يكشف عن منتهى الإنسانية، ان يبكي رسول الله لان هنالك مؤمناً فقيراً!- ثم حرض صلى الله عليه وآله الحاضرين على ان يبذلوا لهذا الفقير شيئاً، الا ان التعاسة هي من نصيب من سلبه الله التوفيق في عمله حيث ان المئات كانوا حاضرين وكان رسول الله يدعوهم إلى التصدق بشيء، أي شيء ودعك عن اتخاذ موقف مشرف بحضرته المباركة، فلم يبتدر احد منهم قط رغم من شاهدوه من بكاء النبي بكاءاً شديداً.
 
وقد يكون بعضنا الان كذلك حيث نسمع بهذا الموقف العظيم ونسمع عن الأيتام والمساكين والفقراء والمستضعفين فلا يؤثر في نفوسنا شيئا -والعياذ بالله- لكن امير المؤمنين ومولى الموحدين -عليه صلوات المصلين- كان في زاوية المسجد يصلي، فسمع كلام رسول الله -صلى الله عليه وآله- فاومأ الى ذلك الفقير أنْ انتزعِ الخاتم من يدي فجاء ذلك الفقير واخذ الخاتم من يد المباركة التي نسال الله تعالى ان لا يحرمنا من فضلها في الدنيا والآخرة، وهذه الحادثة بحسب الظاهر والتتبع لم تكن المرة الوحيدة، بل ان الأمير -عليه الصلاة والسلام- تصدق بخاتمه أكثر من مرة وهذه واحدة منها، وكان الخاتم ثميناً جداً إذ كان من ياقوت احمر نادر ووزنه خمسة مثاقيل وكان يعدل خراج الشام، وهو من الغنائم التي أعطاها الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله- لعلي عليه الصلاة والسلام.
 
فلما اخذ الفقير الخاتم نزلت الاية الشريفة المعروفة (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ) فذاك هو الأمير -عليه الصلاة والسلام- ونحن أتباعه وعلينا ان نتولاه ونتأسى به بأبلغ الجهد بالمقدار الذي يمكن لنا. وعندما نزلت الآية الكريمة، في شأن ومقام وفضل أمير المؤمنين -عليه الصلاة والسلام- تدافع الأصحاب وبدأوا يخرجون الخواتم التي بحوزتهم ويعطونها إلى ذلك الفقير حتى وصل ما أعطوه إلى (400) خاتم! الا انه لم ينزل فيهم شيء! لماذا؟ 
 
وفي هذه القضية أكبر عبرة لنا إذ عندنا الآن الوقت للدراسة والتعرف على علوم أهل البيت -عليهم الصلاة والسلام- ولتعريف الناس بعلومهم، فلماذا لا نبادر قبل فوات الاوان، كما حصل لأولئك الصحابة المتقاعسين عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله؟ كما اننا يمكننا ان نؤسس المؤسسات والمراكز الدينية والإنسانية، والجمعيات الخيرية أو غير ذلك، فلم لا نسعى ونكدح ذلك الكدح المرضي لله ورسوله وأهل بيته الأطهار؟ لِم لا؟ 
 
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
النجف الاشرف
 
 
 
 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/06/18   ||   القرّاء : 4385















البحث :


  

جديد الموقع :



 فاطمة الزهراء (ع) المقامات الغيبية والوجه الحضاري

 منهج الحرّية وآفاق التحرّر

 الإمام الحسين عظمة إلهية وعطاء بلا حدود

  السيدة نرجس مدرسة الأجيال

  كيف نفهم القرآن؟

  قصة الأحكام – الجزء الثالث

 الأرض لمن عمرها: اسلوب اقتصادي ناجح

 في رحاب السيدة معصومة عليها السلام

 دار العلم في دولة بني عمار.. مفخرة إسلامية

  خلال تكريم الكرباسي: أعلام العراق يؤكدون على فرادة الموسوعة الحسينية



ملفات عشوائية :



 دولة الحق والعدل الإلهي

 طاف الفتنة: الآكل والمأكول في الحرب على الإرهاب

  الإسلام وإشكاليات الحداثة - الحلقة (13)

 كان أملي لمستقبل الإسلام!

  الشعائر الحسينية في أندونيسيا

  لغة الحوار - الحلقة الثانية

 رابطة علماء اليمن تستنكر اغتيال الأستاذ علي بن علي فارع

 تمام الحج الولاية

  النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم - بمناسبة مولده الشريف

 استخدام القرآن الكريم السب والشتم لأعداء الدين (5)

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 6

  • الأقسام الفرعية : 22

  • عدد المواضيع : 432

  • التصفحات : 2545596

  • التاريخ : 20/10/2017 - 04:32

مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية : info@alanwar14.org @ Alanwar14.Com - Alanwar14.Org - Alanwar14.Net
 

تصميم، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net