أهلا وسهلا بكم في موقع مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية ، للتواصل : info@alanwar14.org

الصفحة الرئيسية

من نحن

أخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

مقالات وآراء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

تحقيقات

اصدارات اللغات الأجنبية

طلبات كتب اللغات

طلبات الكتب

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا

   تحقيقات >> تحقيقات >> شيخ الطائفة وتاريخ الجامعة النجفية .

شيخ الطائفة وتاريخ الجامعة النجفية

المحرر
برزت النجف الأشرف على مسرح التاريخ كجامعة علمية دينية لها جذورها القديمة، ولها تراثها الأصيل الخاص، والذي يمثل الفقه والأصول، وإن لم تعدم جوانب المعرفة الأخرى، والثقافة العامة، وخاصة الأدب العربي، فلقد أسهمت فيه هذه المدينة إسهاما كبيراً يتجلى ذلك في الكتب الكثيرة التي أصدرتها في ميدان النثر والشعر حتى أصبحت النجف الأشرف بثروتها الأدبية مصدراً ثراً في دنيا الأدب يفرض نفسه على التراث الأدبي الأصيل بكل فخر واعتزاز.
 
النجف الأشرف قبل هجرة الشيخ الطوسي.
أورد السيد غياث الدين عبدالكريم بن أحمد، المعروف بابن طاووس –وهو من المختصين بتاريخ النجف الأشرف- بأن عضد الدولة أبو شجاع قنا خسرو بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن أبي شجاع بويه بن قناخسرو ابن تمام –من وزراء الدولة العباسية- وكان محباً لآل البيت –عليهم السلام- ومكبراً للعلماء، بأنه في سنة 371هـ، زار المشهد العلوي الطاهر بالنجف الأشرف، وتصدق وأعطى الناس على اختلاف طبقاتهم، وكان نصيب الفقراء والفقهاء ثلاثة آلاف درهم، وقد استدل بذلك أصحاب الرأي القائل بوجود الحركة العلمية قبل الشيخ الطوسي.
 
كما يدعم زعمهم هذا، صدور إجازات علمية من النجف الأشرف قبل ورود الشيخ الطوسي إليها، وهو ما نقلته بعض المصادر بأن من مشايخ محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، رئيس المحدثين، أبو جعفر، المعروف بـ (الشيخ الصدوق) الشيخ محمد بن علي بن الفضل الكوفي، وقد سمع منه سنة 354هـ، عند وروده الكوفة وهو في طريقه إلى الحج، وكان سماعه بمشهد أمير المؤمنين -عليه السلام-، ومنها –أيضاً- ما ذكره النجاشي في ترجمة الحسين بن أحمد بن المغيرة أبي عبدالله البوشنجي ما نصه: (كان عراقياً مضطرب المذهب، وكان ثقة فيما يرويه، له كتاب (عمل السلطان) أجازنا بروايته أبو عبدالله الحسين بن جعفر بن محمد المخزومي الخزاز المعروف بـ (ابن الخمري) بمشهد أمير المؤمنين –عليه السلام- سنة أربعمائة).
 
كما ورد ذكر لبعض البيوت العلمية التي لمعت في النجف الأشرف في القرن الرابع والخامس، كآل شهريار، وهي من الأسر العلمية البعيدة الذكر، القديمة العهد، خدمت العلم والدين والمرقد العلوي، وعرفت بالنجف في القرن الرابع، واشتهرت بالقرن الخامس وامتد بقاؤها إلى أواخر القرن السادس الهجري. وآل الطحال، وهي أسرة علمية قديمة عرفت بالقرن الرابع بالنجف، وبقيت حتى أواخر القرن السادس الهجري، من خدم الحضرة العلوية المقدسة، وتنسب في أصلها إلى المقداد بن الأسود الكندي. وغيرهما من البيوت، وقد جمعت هذه البيوت بين الفضيلة وخدمة الروضة الحيدرية.
 
ومما يدعم هذا الرأي، وجود النقابة في النجف الأشرف، وهو مركز أقرب إلى الروحي من غيره، وقد ذكرت بعض المصادر أن عدداً من الأعلام تولوا نقابة المشهد، منهم السيد شرف الدين محمد المعروف بابن السدرة، وقد أقام في النجف سنة 308هـ حتى توفي فيها، وناصر الدين مطهر بن رضي الدين محمد بن الحسين، وقد تولى نقابة المشهدين العلوي والحسيني، بالإضافة إلى نقابة الكوفة لعدة أشهر. أضف إلى ذلك، انتساب بعض العلماء إلى النجف الأشرف قبل عهد الشيخ الطوسي، ومنهم:
  1. أحمد بن عبدالله الغروي، يروي عن أبان بن عثمان من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام.
  2. شرف الدين بن علي النجفي، وصفه الشيخ الطوسي بقوله: (كان صالحاً فاضلاً).
  3. عبدالله بن أحمد بن شهريار، أبو طاهر، كان معاصراً للشيخ المفيد، يروي عنه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، والنجاشي في كتاب الإمامة.
  4. أحمد بن شهريار، أبو نصر الخازن للحضرة الغروية، كان من رجال العلم وحملة الحديث، معاصراً للشيخ الطوسي.
 
ومن هذه المقومات برز التحديد التاريخي لتأسيس حوزة النجف الأشرف، وتكاد تنحصر في رأيين:
 
الرأي الأول:
أن جامعة النجف الأشرف تأسست على يد محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام، أبو عبدالله المعروف بـ (الشيخ المفيد) –أستاذ الشيخ الطوسي- وذلك عندما انتقل إليها من بغداد، أو عند نفيه منها -على حد تعبير بعض المترجمين- من قبل السلطة، بسبب ما حدث من الاختلافات والثورات الطائفية، فاختار الشيخ النجف الأشرف.
 
ويرى البعض أن انتقال الشيخ المفيد إلى النجف الأشرف، كان برغبة من البويهيين الذين يؤيدون المذهب الشيعي، وقد تحدثت بعض المصادر: بأن الحركة العلمية في بغداد وغيرها نشطت في أيام عضد الدولة، وكان نصيب النجف الأشرف كبيراً، فقد كان يرغب في تأسيس حركة مناهضة للحركة العلمية في بغداد، بدافع العقيدة، ولذا أخذ يبذل الأموال الطائلة في تشييد مرقد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –عليه السلام- والاهتمام بالعلماء فيه.
 
كما أشارت المصادر: بأن عضد الدولة كان يحترم الشيخ المفيد إلى حد كان يحمله على زيارته في داره، ولعلَّ هذا الاحترام للشيخ، والاتصال الأكيد به من قبل الوزير عضد الدولة هو الذي دفع بأصحاب هذا الاحتمال إلى نسبة تأسيس الجامعة النجفية إلى الشيخ المفيد. وهذا الرأي يبقى مفتقراً إلى الدعم التاريخي، فالذي نقرأه في ثنايا التاريخ لم يشعرنا من قريب أو بعيد بأن الشيخ المفيد انتقل إلى النجف كمهاجر إليها سواء بمحض اختياره، أو بطلب من عضد الدولة، أو بنفي من قبل الدولة. والقول الأخير –وهو موضوع النفي- بعيد كل البعد، لأن الشيخ المفيد عاش في عهد البويهيين، محترماً ومقدراً. ولقد نقلت المصادر التاريخية بأن يوم وفاته كان مشهوراً، وشيعه ثمانون ألفاً من شيعة أهل البيت.
 
أما في حياته، فقد كانت ملوك الأطراف تعتقد به لكثرة الميل إلى الشيعة في ذلك الزمان، وكان يحضر مجلسه خلق عظيم من العلماء من جميع الطوائف والملل، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية. فإذا كان الأمر بهذه المثابة من الاحترام والتقدير، فكيف نحتمل أن الشيخ المفيد نفي من بغداد! بالإضافة إلى إننا لم نعثر على مصدر تاريخي يدعم هذا القول، ولهذا فليس بالإمكان أخذه بنظر الاعتبار.
 
الرأي الثاني:
أن تأسيس جامعة النجف الأشرف ينتهي إلى أبعد من هذا. فهناك من يعتقد أن النجف في واقعها امتداد إلى معهد الكوفة العلمي، والذي شيد أركانه الإمام علي بن أبي طالب –عليه السلام- وبلغ أوجه في عهد الإمام جعفر بن محمد الصادق -عليه السلام- حيث اعتبرت مدرسته من أبرز المدارس العلمية في الكوفة، وكان رواة أبي عبدالله –عليه السلام- أربعة آلاف أو يزيدون.
 
ولما كانت الكوفة مركزاً كبيراً لتلامذة أهل البيت –عليهم السلام- فلا بد لهم أن يتخذوا من مرقد الإمام –عليه السلام- مقراً لهم، خاصة عندما تبدلت ظروف الكوفة. فلقد تفرق على أثرها علماء الكوفة، وانتقل بعضهم إلى بغداد، وانتقل البعض الآخر إلى النجف الأشرف متخذاً من جوار هذا المرقد الطاهر مركزاً له للعبادة والتحصيل العلمي. وهذا الرأي القائل بأن جامعة النجف امتداد إلى مدرسة الكوفة مستبعد لسببين:
 
السبب الأول:
أن مرقد الإمام علي بن أبي طالب –عليه السلام- لم ينكشف أمره إلا في عهد هارون الرشيد –الخليفة العباسي- وذلك في حدود سنة 170هـ، وجاء في بعض المصادر أن الناس جاوروا المرقد الطاهر بعد سنة 180هـ. وتنقل بعض المصادر: أن داود بن علي العباسي المتوفي سنة 133هـ، اكتشف قبر الإمام –عليه السلام- وعمل له صندوقاً، وعندما وقف العباسيون ضد العلويين هُجر القبر الشريف، وعفي أثر ذلك الصندوق، وانطمس رسمه، حتى جاء عصر الرشيد فأظهره.
 
وداود العباسي هو: داود بن علي بن عبدالله بن العباس، أبو سليمان، عم السفاح، تولى إمارة الكوفة من قبل عمه، ثم عزله عنها، وولاه المدينة، ومكة، واليمن، واليمامة، والطائف. كان خطيباً فصيحاً، من كبار القائمين بالثورة على الأمويين. وكان بالحميمة من أرض الشراة بالأردن، ولد سنة 81هـ وتوفي سنة 133هـ.
 
وعليه فلم يظهر لنا من ثنايا التاريخ بأن النجف قد سُكنت من قبل أحد، اللهم إلا أن ندعي بأن النجف والكوفة واحدة، وهذا ما يكذبه الوجدان، فليس –على ما نعتقد- من يوحد بين هذين البلدين.
 
السبب الثاني:
إن هذا الافتراض بأن النجف ضمت بعض الأعلام بعد انتقالهم من الكوفة يبقى محتاجاً إلى دليل يدعمه، ولا دليل لدينا على ذلك. لذا فنحن لا نستطيع أن نخفي كل هذا، كما لا نقبل كل ذاك، وإنما المرجح أن نذهب إلى حد وسط، وهو أن النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي في سنة 449هـ، كانت فيها جذور علمية، وتضم بعض رجالات الفضل والعلم، اتخذوا من النجف الأشرف بعد ظهور القبر فيها مقراً لهم، ويدعم رأينا هذا قول الشيخ آغا بزرك الطهراني: (إنني أذهب إلى القول بأن النجف كانت مأوى للعلماء، ونادياً للمعارف، قبل هجرة الشيخ إليها –الشيخ الطوسي- وأن هذا الموضع المقدس أصبح ملجأ للشيعة منذ أُنشئت فيه العمارة الأولى على مرقد الإمام أمير المؤمنين –عليه السلام- ولكن حيث لم تأمن الشيعة على نفوسها من تحكمات الأمويين والعباسيين، ولم يستطيعوا بث علومهم، ورواياتهم، كان الفقهاء والمحدثون لا يتجاهرون بشيء مما عندهم، وكانوا متبددين حتى عصر الشيخ الطوسي، وإلى أيامه، وبعد هجرته، انتظم الوضع الدراسي، وتشكلت الحلقات، كما لا يخفى على من راجع كتاب "أمالي الشيخ الطوسي" الذي كان يمليه على تلامذته).
 
وكذلك يرى الدكتور مصطفى جواد: (بأن في النجف أعلاماً بثوا العلم قبل الشيخ الطوسي، ويصعب التصديق، بأن الشيخ أول من جعل النجف مركزاً علمياً) وكيفما كان فوجود بعض الأعلام لم ينهض دليلاً على حركة علمية في النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي.
 
من هو شيخ الطائفة الطوسي؟
هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي، المعروف بـ (شيخ الطائفة) وهو من رجالات العلم وجهابذته المبرزين. وسمي بالطوسي نسبة إلى طوس من مدن خراسان.
 
ولد الشيخ الطوسي في مدينة طوس في شهر رمضان سنة 385هـ، وفي سنة 408هـ هاجر إلى العراق وحط رحله ببغداد وهو في الثالثة والعشرين من عمره. وكان الأستاذ المبرز، والشيخ المطلق للشيعة يوم ذاك محمد بن محمد ابن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بـ (الشيخ المفيد) كما عرف ببعض المصادر بـ (ابن المعلم). وعند وصول الشيخ الطوسي إلى بغداد لازم الشيخ المفيد، وتتلمذ عليه، وبقي معه حتى سنة 413هـ، حيث لبّى علم الطائفة الشيخ المفيد نداء ربه، فانتقلت الزعامة المطلقة إلى أجل تلامذته علم الهدى الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي، وبطبيعة الاستمرارية لازم الشيخ الطوسي أستاذه علم الهدى السيد المرتضى، واستفاد من علمه وملازمته، وكان موضع عناية واهتمام كبير لدى أستاذه الشريف بحيث تميز عن سائر تلامذته وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة.
 
قال السيد صدر الدين علي خان المدني الشيرازي: (وكان "السيد المرتضى" يدرّس في علوم كثيرة ويجري على تلامذته رزقاً، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قراءته عليه كل شهر اثنا عشر ديناراً، وللقاضي ابن البراج كل شهر ثمانية دنانير). وفي سنة 436هـ استجاب السيد المعظم إلى دعوة ربه، وعند ذاك كان المرشح الوحيد لمركز الزعامة الدينية الشيخ الطوسي، فأصبح علماً للشيعة، وكانت داره في كرخ بغداد مأوى الأمة، يقصدونها للاستفادة من هذا الزعيم العلمي الكبير. والتف حوله عدد كبير من أهل الفضل والعلم للتلمذة عليه، والانتهال من نمير فضله، وقد ذكرت بعض المصادر التاريخية أن عدد تلاميذه بلغ ثلاثمائة مجتهد من أعلام الشيعة، ومن أهل السنة ما لا يحصى كثرة.
 
وباتساع أفق هذه الشخصية العلمية، وما بلغ به من العظمة والمنزلة جعل له القائم بأمر الله العباسي، كرسياً للكلام والإفادة. وهذا التقدير من الخليفة العباسي يوم ذاك كان له كبير الأهمية، إذ لم يسمح به إلا لمن بلغ في العلم مرتبة سامية يتميز بها على أقرانه، ولم يكن في بغداد في عهده من يفوقه قدراً، ويعلوه مكانة، ويفضل عليه علماً لذا كان هو المتعين لهذا الشرف.
 
وفي سبيل الاستشهاد على عظمة الشيخ، نذكر نصين يعكسان لنا مدى ما يتمتع به من المكانة والمنزلة عند الأمة:
قال ابن تغري بردى: (أبو جعفر الطوسي، فقيه الإمامية الرافضة وعالمهم، وهو صاحب التفسير الكبير، وهو عشرون مجلداً، وله تصانيف أخر. مات بمشهد علي، وكان رافضياً قوي التشيع).
وقال الدكتور محمود محمد الخضيري: (... رجل واحد يقال له الشيخ الطوسي مع إن مدينة طوس التي ينتسب إليها لا تعتمد في شهرتها ومجدها على غيره –على كثرة من أنجبت على طول تأريخها المديد- من مشاهير الرجال، في عالم العلوم والآداب والسياسة والحرب، ووفرة من ينتسب إليها قبل الشيخ وبعده من الشيوخ والعلماء ذلك لأنه في الحقيقة رجل فذ بين علماء الإسلام، رفعته مؤلفاته الكثيرة العدد وجهوده العلمية المثمرة إلى مرتبة عالية ممتازة، لا ينافسه فيها أحد، فاستحق بذلك أن يمنحه مواطنوه هذا اللقب تشريفاً له بين جميع من ينتسبون إلى مدينتهم –ذات المجد التليد- واستحق الشيخ لقباً آخر يزيد عن اللقب الأول في مغزاه، ويعبر بفصاحة لا مثيل لها عن جميل تقديرهم إياه، ويعيّن منزلته بين جميع الطائفة الاثني عشرية، وذلك إذ يلقبونه (شيخ الطائفة) وإذا أطلق أحد هذين اللقبين أو كلاهما على شخص لم ينصرف ذهن العارفين إلى شخص سواه...).
 
من هذان النصان يمكن أن نعرف المنزلة الرفيعة التي يتمتع بها الشيخ الطوسي عند المسلمين. لقد بلغت منزلة الشيخ في بغداد أوجها بين علماء العصر من جميع الطوائف، وبلغ قبول أهل السنة له إن اعتبره بعض مؤرخيهم من أعلام السنة على نحو ما فعل عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي الخزرجي الأنصاري المصري الشافعي الأشعري السبكي، إذ عده من علماء الشافعية فقال: (... أبو جعفر الطوسي، فقيه الشيعة، ومصنفهم، كان ينتمي إلى المذهب الشافعي...). وحذا حذو السبكي، مصطفى بن عبد الله، المعروف بالحاج خليفة، فقد نقل في كتابه (كشف الظنون) عبارة السبكي.
 
وهذه النسبة إذا أبعدنا السبكي عن الاشتباه والغلط فما نفسرها إلا بمدى المكانة التي يتمتع بها الشيخ الطوسي في نفوس الأعلام من المسلمين، حتى ذهب الظن بالبعض أنه شافعي، أو معتزلي، أو أي شيء آخر. والحقيقة التي لا غبار فيها إن الشيخ من أركان المذهب الجعفري، وأنه حاز الثقة التامة من طبقات الشيعة جمعاء في رواية الحديث وتحليله.
 
أسباب هجرة الشيخ الطوسي من بغداد إلى النجف الأشرف.
في نهاية سنة 449هـ، هبت عاصفة هوجاء خطيرة المغزى، عميقة الجذور، هددت بغداد بالفناء. تلك هي حوادث الطائفية الرعناء الدامية. ولم تكن هذه العاصفة وليدة تلك الأيام وإنما بلغت ذروتها في هذا العهد، وخاصة عندما قُطعت الخطبة للقائم العباسي ببغداد، وخُطب للمستنصر الفاطمي على منابر بغداد والعراق كله، فكتب القائم بأمر الله إلى السلطان محمد بن ميكائيل بن سلجوق، أبو طالب، الملقب ركن الدين طغرل بك، أول ملوك الدولة السلجوقية، في الباطن يستنهضه بالسير إلى العراق، وكان بنواحي خراسان، فدخلها سنة 447هـ، وتقوض حكم البويهيين بدخوله، وتوليه الحكم من قبل القائم العباسي.
 
فمنذ وروده إلى بغداد أخذ يشن حملة شعواء على الشيعة، ويقسو عليهم وقد عزّ على هذا السفاح الأهوج أن يزدهر المذهب الجعفري، وينتشر فقرر أن يعمل جاداً في بث الفرقة الطائفية بين المسلمين، أو في الحقيقة يؤجج لهيبها من جديد، فالمصادر التاريخية تؤكد وقوع الحوادث الدامية بين الشيعة والسنة، وقد استمرت من عام 441هـ إلى دخول طغرلبك عام 447هـ بين شدة وضعف، حتى إذا بلغت سنة 448هـ، قال ابن تغري بردى: (وفيها أقيم الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ بـ "الصلاة خير من النوم" على رغم أنف الشيعة وأزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من "حي على خير العمل").
 
واشتد هذا الجو المتأزم بالطائفية على مرور الأيام، وانقلب إلى حوادث دامية، فقد ذكر لنا ابن الجوزي، صورة من هذه الحوادث في سنة 448هـ، فيقول: (وفي هذه السنة أقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش، ومشهد العقبة ومساجد الكرخ بـ "الصلاة خير من النوم" وأزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان "حي على خير العمل" ودخل إلى الكرخ "وهو معقل الشيعة" منشدو أهل السنة من باب البصرة فأنشدوا الأشعار في مدح الصحابة، وتقدم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبدالله الجلاب "شيخ البزازين" بباب الطاق لما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض فقتل وصلب على باب دكانه).
 
لقد بلغت الفتنة الطائفية ذروتها، ولم يسلم منها كل شيعي سكن بغداد وكان نصيب الشيخ الطوسي منها كبيراً باعتباره الشخصية الشيعية الأولى، وعلمهم البارز، فقد كبست دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ، وأخذ ما وجد فيها من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ، وأضيف إليه ثلاث سناجق بيض –وهو اللواء- كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم، إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأحرق الجميع. وهرب أبو جعفر الطوسي، ونهبت داره.
 
أما ابن حجر العسقلاني، فيوضح السبب الذي دعا إلى هذا الهجوم المعاكس على شيخ الطائفة بعد أن كان معززاً مكرماً، بحيث يبلغ الأمر به أن تحرق كتبه، وتنهب داره، ويحدث ما حدث، ويقول: (قال ابن النجار: أحرقت كتب الطوسي عدة نوب بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر، واستتر هو خوفاً على نفسه، بسبب ما يظهر من انتقاص السلف). ولعلَّنا وضعنا أصابعنا على الأسباب الرئيسة لهذه الحوادث الدامية والتي ذهب ضحيتها عدد كبير من المسلمين، بفعل تلك الطائفية الرعناء، والتعصب المخزي الأعمى الفظيع.
 
ومن جراء هذه الحوادث المؤلمة، والخطر المحدق، اختار الشيخ الطوسي –قدس سره- النجف الأشرف مقراً له، ومركزاً لحركته العلمية. فالنجف الأشرف تمتعت بميزات خاصة فُضلت على بقية المدن العراقية، فهي تضم مرقد إمام العلم والفضيلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –عليه السلام- وفيها تربة قابلة للنمو العلمي وذلك لوجود بعض الأعلام الذين سبقوا شيخنا الرائد من اتخاذ النجف مركزاً لهم، بالإضافة إلى أن النجف تتكئ على الكوفة، وهذه المدينة علوية في ذاتها وهي وإن وقفت في فترة ضد أهل البيت –عليهم السلام- إلا أنها عادة إلى رشدها بعد زمان، وأصبحت موئلاً للشيعة، ومركزاً للتوابين ومنطلقاً للثورات العلوية.
 
لقد انتقل الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف سنة 449هـ، وحطَّ رحله فيها، ومن الطبيعي أن يظهر دور جديد في حياته العلمية. خاصة إذا لاحظنا أنه عند هجرته إلى مدينة النجف قد انصرف عن كثير من المشاغل، وانصرافه انصرافاً كاملاً إلى البحث الأمر الذي ساعده كل المساعدة على إنجاز دوره العلمي العظيم، الذي ارتفع به إلى مستوى المؤسسين.
 
لقد دبت في النجف الأشرف حركة علمية نشطة بفضل شيخنا الرائد، وتوطدت أركانها بمرور الزمن، حتى برزت مظاهر الحياة العلمية المرتبة واضحة للعيان، وأصبحت الجامعة تضم عدداً من طلاب المعرفة لا يستهان بهم، وأخذت تتكاثر يوماً بعد يوم، حيث ذكرت كتب الرجال إن تلامذة الشيخ الطوسي بلغوا من الشيعة ثلاثمائة، أما من السنة فلا يحصى، وهذا العدد الذي تكاد المصادر تجمع عليه نراها عند تعداد أسمائهم لا تصل بهم إلى أكثر من ستة وثلاثين إسماً، ولا بد أن نتساءل عن هذا العدد من الطلاب والمحصلين، هل هم من أركان حوزته العلمية في بغداد، وقد انتقلوا معه إلى النجف، أو أنهم نشؤا في النجف، ونمت الحوزة بهم على عهده بالتدريج، بحيث برز فيها العنصر النجفي. ورجحت بعض المصادر الأصولية: إن الشيخ عند هجرته إلى النجف انفصل عن حوزته التي أسسها ببغداد، وأنشأ في مهجره الجديد حوزة جديدة. وتستند في دعواها هذه إلى عدة مبررات كالتالي:
  1. إن مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف لم يشيروا إطلاقاً إلى أنّ تلامذة الشيخ في بغداد رافقوه، أو التحقوا به فور هجرته إلى النجف.
  2. إن قائمة تلامذة الشيخ التي يذكرها مؤرخوه نجد أنهم لم يشيروا إلى مكان التلمذة إلا بالنسبة إلى شخصين جاء النص على أنهما تتلمذا على الشيخ في النجف، وهما الحسين بن المظفر بن علي الحمداني، والحسن ابن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي.
  3. ومما يعزز احتمال حداثة الحوزة، الدور الذي أداه ابن الشيخ المعروف بابي علي، فقد تزعم الحوزة بعد أبيه. ومن المظنون أنه كان في دور الطفولة أو أوائل الشباب حين هجرة والده، ذلك لانعدام تأريخ ولادته ووفاته، ولكن الثابت تاريخياً أنه كان حياً في سنة 515هـ، أي انه عاش بعد هجرة الشيخ قرابة سبعين عاماً، ويذكر عن تحصيله أنه كان شريكاً في الدرس عند أبيه مع الحسن بن الحسين القمي، الذي أرجح كونه من الطبقة المتأخرة، كما يقال عنه أن أباه أجازه سنة 455هـ، أي قبل وفاته بخمسين سنة، وهو يتفق مع حداثة تحصيله.
 
فإذا عرفنا أنه خلف أباه في التدريس والزعامة العلمية للحوزة في النجف، بالرغم من كونه من تلامذته المتأخرين في أغلب الظن، استطعنا أن نقدر المستوى العلمي العام لهذه الحوزة. ويتضاعف الاحتمال في كونها حديثة التكوين. والصورة التي تكتمل لدينا على هذا الأساس هي: إن الشيخ الطوسي بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الأساسية في بغداد، وأنشأ حوزة جديدة حوله في النجف، وتفرغ في مهجره للبحث وتنمية العلم.
 
وإذا عدنا فألقينا نظرة على هذا النص الذي يذكره المؤرخون بأن تلامذة الشيخ من الشيعة بلغوا ثلاثمائة، ومن السنة ما لا يحصى كثرة، فمن المؤسف جداً أن هذا العدد الكبير من التلاميذ لم يصل لنا من أسمائهم إلا ما يربو على الثلاثين وأن الشيخ منتجب الدين بن بابويه القمي، المتوفي بعد عصر الشيخ بقليل، لم يستطع الوقوف على أسمائهم، فلم يذكر منهم في كتابه (الفهرست) المطبوع في آخر البحار إلا ستة وعشرين إسماً، وزاد عليهم العلامة السيد محمد مهدي بحر العلوم في كتابه (الفوائد الرجالية) أربعة. فتمت عدتهم ثلاثين، وهؤلاء معروفون ذكرتهم مقدمات كتب الشيخ المطبوعة. وأضاف الشيخ آغابزرك الطهراني لهذا الثبت أسماء ستة، فأصبح العدد ستة وثلاثين، وقال بعد ذلك: (وهؤلاء ستة وثلاثون عالماً من تلاميذ الشيخ الطوسي المعروفين). وإن كنا لا نستطيع القطع بأن هذه المجموعة من التلاميذ تمثل بحق الحوزة النجفية أو البغدادية.
 
ولا شك إن الحوزة العلمية التي أسسها الشيخ الطوسي في النجف الأشرف كانت فتحاً كبيراً، وفي الوقت نفسه كانت نواة للجامعة العلمية التي عاشت لأجيال، ولكنها في الوقت نفسه لم تتمكن أن ترقى إلى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الذي أنجزه الشيخ الطوسي في الفكر العلمي، وذلك لحداثة هذه الحوزة. وإن كانت هذه الهجرة إلى النجف قد هيأت له الفرصة للقيام بدوره العلمي العظيم لما أتاحت له من تفرغ تام لهذه الناحية المهمة. وكان لا بد لهذه الحوزة الفتية أن يمر عليها زمان حتى تصل إلى مستوى من التفاعل العلمي والنضج الفكري لقبول أفكار الشيخ وآرائه العلمية، وتواكب إبداعه بوعي وتفتح. ومن هذا التاريخ تدخل النجف المرحلة العلمية المنتظمة، وتستمر بين شدة وضعف، فتقطع أشواطا بعيدة في مسيرتها الجامعية، وهي تسجل لمؤسسها دور القيادة والزعامة بكل تقدير وإكبار.
 
لقد وجد الشيخ الطوسي –قدس سره- في تربة النجف الأشرف قابلية تامة للغرس والاستثمار، فأسس هيئة علمية منظمة ذات حلقات، ونظماً خاصة من حيث التدريس، وقد ظهر أثر ذلك في كتابه المسمى (أمالي الشيخ الطوسي) الذي كان يمليه على تلامذته، وقد نقل آغابزرك الطهراني في كتابه الذريعة: (إن للشيخ الطوسي كتاباً اسمه: اختبار الرجال، أملاه الشيخ على تلاميذه في المشهد الغروي، وكان بدء إملائه يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456هـ). وكان من ألمع ما يذكر في هذا الصدد تنسيقه للدراسة العلمية في أقسامها الثلاثة: الفقه، والحديث، والأصول. فقد وضع في هذه العلوم مؤلفات كانت موضع اهتمام الأعلام المبرزين من الفقهاء والأصوليين.
 
ففي الجانب الفقهي كان كتاب (المبسوط) الذي يمثل مدى التطور العظيم في البحث الفقهي على صعيد التطبيق بالشكل الذي يوازي التطور الأصولي على صعيد النظريات. ولم تكن مساهمة الشيخ في الأصول مجرد استمرار للخط وإنما كانت تعبر عن تطور جديد كجزء من تطور شامل في التفكير الفقهي العلمي له، وقد أتيح لهذا الفقيه الرائد أن يحققه، فكان كتاب (العدة) تعبيراً عن الجانب الأصولي من التطور.
 
وإلى جانب هذين العملين، قام الشيخ الطوسي بعمل مهم وعلى مستوى واسع النطاق في جمع الأحاديث المنقولة عن أئمة أهل البيت –عليهم السلام- وذلك بدمج المجاميع الصغيرة في موسوعات كبيرة، فما انتهى ذلك حتى حصل الفكر العلمي الإمامي على مصادر أربعة موسعة للحديث، وكان نصيب الشيخ الطوسي من هذه الأصول أصلين كبيرين هما: كتاب (التهذيب) وكتاب (الاستبصار) في ثلاثة مجلدات. ولم يكن هذا كل تراث الشيخ الطوسي، فإلى جانب التراث الأصولي والفقهي الضخم خلّف تراثاً رائعاً في التفسير، فقد وضع (التبيان) في عشرة مجلدات، وكان هذا النتاج الكبير إعلان عن مستوى واسع وعميق كما يدل على إحاطة وشمول في آفاق المعرفة. وقد كانت الحاجة ملحة لهذا الجانب لافتقار المكتبة الإمامية إليه، ولذا اعتبر ظهور هذه الموسوعة التفسيرية إلى حيز الإمكان فتحاً كبيراً.
 
وفي علم الرجال وتحقيق درجاتهم العلمية، وجمع الشتات عنهم وتميز طبقاتهم من عهد الرسول الأكرم –صلى الله عليه وآله وسلم- إلى ما بعد عهد الأئمة –عليهم السلام- وضع كتاب (الرجال) وقد سد هذا الكتاب فراغاً في مجال الجرح والتعديل وتميز طبقات الإعلام والمحدثين. وأصبح مصدراً أولاً للمشتغلين في هذا الحقل.
 
وفي ذكر أصحاب الكتب والأصول، قدّم الشيخ الطوسي للمكتبة الإسلامية كتابه (الفهرست) وهو يحتوي على تسعمائة اسم من أسماء المصنفين وهو –في الحقيقة- من الآثار الثمينة الخالدة، وقد أصبح موضع اعتماد علماء الإمامية وغيرهم في هذا المضمار، لأنه ضبط لتاريخ العلوم عند الشيعة حتى تاريخ تأليفه. وإلى هذا الصف العلمي أضاف في مجموعة مؤلفاته القيمة ما كتبه في أصول العقائد، ومعرفة الله تعالى، وصفاته، وتوحيده، وعدله، والنبوة، والإمامة، وكل ما يعود الإخلال به بالضرر على ما حصل من المعرفة. مثل كتاب (الاقتصاد) في أصول العقائد، وكتاب (تلخيص الشافي) وكتاب (المفصح في الإمامة) وكتاب (الغيبة) في إمامة الحجة المهدي محمد بن الحسن العسكري -عجل الله تعالى فرجه الشريف-. بالإضافة إلى المؤلفات الأخرى، وفي مواضيع مختلفة، كلها تدل على اطلاع شيخنا الرائد في آفاق المعرفة، ولقد أحصتها بعض المصادر التاريخية فبلغت (47) مؤلفاً في جوانب متعددة.
 
وإذا اعتبر الشيخ الطوسي –قدس سره- في مجموع مؤلفاته المتنوعة موسوعياً، فهو من جانب آخر يعتبر مختصاً بالفقه والأصول، ولم يكن تصنيفه في الفقه المتمثل في كتابه (المبسوط) ثم في الحديث في كتابه (التهذيب) و(الاستبصار) ثم في الفقه المقارن ككتاب (الخلاف) إلى غيرها من مؤلفاته الفقهية، إلا مثلاً للتطور العظيم الذي نهجه الشيخ في بحثه الفقهي. وقد عرض في بحوثه الفقهية منهج الفقهاء من الشيعة القدماء الذين مثلوا المرحلة البدائية من التفكير الفقهي، وهو ما يمكن أن نطلق عليها بمنهج الإخباريين، الذين يجمدون على أخذ الأحكام من الأحاديث، والروايات، واتباع النصوص، وانصرافهم عن التفريع، والتوسع في التطبيق، كما في كتابي (التهذيب والاستبصار). كما عرض منهج الفقهاء الشيعة الأصوليين الذين يفكرون بذهنية أصولية ويمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع، وذلك في كتابه (المبسوط).
 
والحقيقة إن الفارق الكيفي بين اتجاهات العلم التي انطلقت من هذا التطور الجديد واتجاهاته قبل ذلك يسمح لنا باعتبار الشيخ الطوسي حداً فاصلاً بين عصرين من عصور العلم، بين العصر العلمي التمهيدي، والعصر العلمي الكامل. فقد وضع هذا الشيخ الرائد حداً للعصر التمهيدي، وبدأ به عصر العلم الذي أصبح فيه الفقه والأصول علماً له دقته، وصناعته وذهنيته العلمية الخاصة. وبعد هذا فقد استمر الشيخ الطوسي –قدس سره- الرائد في جهاده العلمي، والعمل الدائب في تنظيم الوضع الدراسي، حتى خطا على عهده خطوات سريعة بحيث أصبحت الحوزة العلمية الفتية في النجف تربوا على المئات من رواد الفضيلة والعلم، والطلبة الناشئين والمؤلفة –على حد رأي بعض المصادر- من أولاده وبعض أصحابه ومجاوري القبر الشريف، وأبناء البلاد القريبة منها كالحلة ونحوها، ونمت الحوزة في عهده بالتدريج، وبرز فيها العنصر النجفي والعنصر الحلي، وتسرب التيار العلمي منها إلى الحلة.
 
جامعة النجف الأشرف العلمية بعد رحيل شيخ الطائفة.
في سنة 461هـ، توفي الشيخ الطوسي –قدس سره- باني مجد الجامعة النجفية، وقد منيت الجامعة بخسارة كبيرة، ولكن نموها العلمي لم يقف بوفاة الرائد الكبير، بل نهض ابنه الحسن بن محمد بن الحسن المعروف (بأبي علي الطوسي) وقام بدور كبير في إدارة الجامعة، وزعامة حوزتها. وكان أبو علي من أبرز تلامذة والده شيخ الطائفة، وأكثر قابلية من سائر تلامذة الشيخ لتحمّل أعباء المسؤولية لإدارة شؤون الجامعة، واستمرار الحركة العلمية فيها زماناً ليس بالقصير، وهي تؤدي عملها العلمي بصورة امتدادية للشيخ الطوسي.
 
لقد وصفت المصادر التاريخية الشيخ أبو علي بعبارات الإجلال والتكريم، مما يدل على مكانته الكبيرة في الجامعة النجفية، وقد تحدث عنه الشيخ آغابزرك الطهراني فقال: (وقد خلف أباه على العلم والعمل وتقدم على العلماء في النجف، وكانت الرحلة إليه والمعول عليه في التدريس والفتيا، وإلقاء الحديث وغير ذلك، وكان من مشاهير رجال العلم، وكبار رواة الحديث، وثقاتهم، وقد بلغ من علو الشأن، وسمو المكانة أن لقب بـ "المفيد الثاني").
 
وإلى جانب ما أفاد من والده شيخ الطائفة من الناحية العلمية كذلك عدّ من مشايخه: أبو الحسن محمد بن الحسين المعروف بـ (ابن الصقال)، وحمزة أبو يعلى سلار بن عبد العزيز، وغيرهما. كما أنه كان شريكاً في الدرس مع الشيخ أبي الوفاء عبد الجبار بن عبدالله بن علي الرازي، والشيخ أبي محمد الحسن ابن الحسين بن بابويه القمي، والشيخ أبي عبدالله محمد بن هبة الله الوراق الطرابلسي، عند قراءة كتاب (التبيان) على والده الشيخ الطوسي. وقد تخرج عليه كثير من حملة العلم والحديث من الفريقين، وحاز المرجعية عند الطائفتين، لذلك كثرت الروايات عنه، وانتهت الطرق إليه، وقد ذكر مترجموه كثيراً من تلامذته، حيث ذكر الشيخ منتجب الدين بن بابويه، أربعة عشر رجلاً، وأضاف الشيخ آغابزرك الطهراني ستة عشر شخصاً، كما ذكر ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) ثلاثة أشخاص من العامة، فيكون المجموع أربعة وثلاثين شخصاً، وفي طليعة هذه المجموعة:
  1. علي بن شهر أشوب المازندراني السروري، والد صاحب (المناقب) و (المعالم).
  2. الشيخ الفقيه الصالح أبو عبدالله الحسين ابن أحمد بن محمد بن علي ابن طحال المقدادي.
  3. المؤلف الفقيه الثقة عماد الدين محمد بن أبي القاسم بن علي الطبري الأمالي الكحي.
  4. الشيخ الفاضل أبو طالب حمزة بن محمد بن أحمد بن شهريار الخازن.
  5. أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي صاحب تفسير (مجمع البيان).
  6. الشيخ محمد بن منصور الحلي الشهير بـ (ابن إدريس)، قال في (الرياض): على المشهور من أن ابن إدريس يروي عن أبي علي هذا تارة بلا واسطة، وتارة مع الواسطة.
  7. أبو علي محمد بن الفضل الطبرسي.
 
والذين ذكرهم ابن حجر العسقلاني هم:
  1. أبو الفضل بن عطاف.
  2. محمد بن محمد النسفي.
  3. هبة الله السقطي.
 
ولم يكن ذكر هؤلاء من بين المجموعة الكبيرة من تلامذة أبي علي الطوسي إلا لغرض إعطاء نماذج عن المستوى الفكري لطلاب هذه الشخصية. وقد ترك أثراً قيماً علمياً هو (شرح النهاية) وهو شرح لكتاب والده النهاية في الفقه. وتوفي الشيخ أبو علي بعد سنة 515هـ، فقد كان حياً في هذا التاريخ كما يظهر في مواضع من أسانيد كتاب (بشارة المصطفى).
 
وما إن توفي الشيخ أبو علي، حتى تقدم ولده أبو نصر محمد بن أبي علي الحسن بن أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي إلى تزعم الجامعة النجفية، وكان أهلاً لهذا التزعم. فقد نقل عنه الشيخ آغابزرك الطهراني قائلاً: (كان الشيخ أبو نصر محمد من أعاظم العلماء، وأكابر الفقهاء، وأفاضل الحجج وأثبات الرواة وثقاتهم، فقد قام مقام والده في النجف، وانتقلت إليه الرياسة والمرجعية، وتقاطر عليه طلاب العلم من شتى النواحي).
 
ووصفه ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة 540هـ: (... وفيها توفي أبو الحسن محمد بن الحسن أبي علي بن أبي جعفر الطوسي، شيخ الشيعة، وعالمهم، وابن شيخهم وعالمهم، رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق، وحملوا إليه، وكان ورعاً عالماً كثير الزهد)، وأثنى عليه السمعاني، كما قال فيه العماد الطبري: (لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه).
 
وفي هذه الفترة قام الأعلام من أسرة آل الخازن في دعم الجامعة النجفية، حتى انتهى الدور إلى الموفق الخازن علي بن حمزة بن محمد بن أحمد بن شهريار، ووصفته المصادر بأنه: (أشهر خزنة الحرم العلوي، ضم إلى سدانة الحرم السبق في العلوم الدينية وكانت الرحلة إليه سنة 572هـ حين كثر أهل العلم، ورواد الحديث، وكان المعول عليه في إدارة رحى العلم بعد شيخ الطائفة الشيخ الطوسي –قدس سره- وهو العاقد لحلقات الحديث والمتكفل بإلقائه، وكان عالماً فاضلاً وهو من رجال القرن السادس).
 
واستمرت الجامعة النجفية في حركتها العلمية من بعد شيخ الطائفة الطوسي حتى أطل عهد ابن إدريس، وقد موج الحركة العلمية في الحلة ونشطت إلى حد كبير، وكان عهد ابن إدريس إيذاناً بانتقال الحركة العلمية إلى الحلة، وقد تكاملت عناصر هذا الانتقال في أوائل القرن السابع الهجري.
 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/10/27   ||   القرّاء : 6456















البحث :


  

جديد الموقع :



 فاطمة الزهراء (ع) المقامات الغيبية والوجه الحضاري

 منهج الحرّية وآفاق التحرّر

 الإمام الحسين عظمة إلهية وعطاء بلا حدود

  السيدة نرجس مدرسة الأجيال

  كيف نفهم القرآن؟

  قصة الأحكام – الجزء الثالث

 الأرض لمن عمرها: اسلوب اقتصادي ناجح

 في رحاب السيدة معصومة عليها السلام

 دار العلم في دولة بني عمار.. مفخرة إسلامية

  خلال تكريم الكرباسي: أعلام العراق يؤكدون على فرادة الموسوعة الحسينية



ملفات عشوائية :



  كيف أصبح (الأبوذية) شاقول الشعر الشعبي؟

 دَجَّال البَصْرَة (3)

  الإسلام وإشكاليات الحداثة- الحلقة الأولى

 حادثة نبش قبر الصحابي حجر بن عدي بمنطقة عذرا بريف دمشق

 مقارنة بين الاستعمال اللغوي المعاصر والمعاني القرآنية

 السيد الشميمي: النهضة الثقافية هي الباقية لا الثورات المسلّحة

 المصاحف المحرَّفة (1-2)

 بين يدي الرضا

  مـتى جمـع القـرآن ؟

 الحوزات العلمية: إشكالية الاستقلال والتبعية

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 6

  • الأقسام الفرعية : 22

  • عدد المواضيع : 432

  • التصفحات : 2545797

  • التاريخ : 20/10/2017 - 08:05

مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية : info@alanwar14.org @ Alanwar14.Com - Alanwar14.Org - Alanwar14.Net
 

تصميم، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net