أهلا وسهلا بكم في موقع مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية ، للتواصل : info@alanwar14.org

الصفحة الرئيسية

من نحن

أخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

مقالات وآراء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

تحقيقات

اصدارات اللغات الأجنبية

طلبات كتب اللغات

طلبات الكتب

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا

   مقالات وآراء >> مقالات مختارة >> علاقة تعظيم الشعائر بالخرافة (*) .

علاقة تعظيم الشعائر بالخرافة (*)

سماحة آية الله الشيخ فاضل الصفار (حفظه الله)

نسب البعض تعظيم الشعائر الدينية إلى الخرافة داعياً إلى وجوب تركها والتخلّي عنها تنزيهاً للمؤمنين المعظّمين لشعائر الدين منها، إلاّ أنّا إذا عرضنا هذا الإشكال للنقد والتحليل نجد أنّه لا يستند إلى وجه علمي، وتفصيل ذلك يتوقّف على معرفة معنى الخرافة وتحديد موضوعها، ثمّ ملاحظة علاقتها بالشعائر الدينية ومدى تطابقها مع المفهوم العقلائي للشعائر، وهذا ما نعرضه من خلال أُمور:
 
الأمر الأوّل: في معنى الخرافة
الخُرافة ـ بضمّ الخاءـ في اللغة الحديث المستملح المكذوب بسبب عدم مطابقته للواقع أو عدم تصديق الناس له؛ لكونه من الغرائب. يقال هذا حديث خرافة نسبة إلى رجل استهوته الجن فكان يحدّث بما رأى فكذّبوه، فقالوا: حديث خرافة (1).
والخَرَف ـبفتح الخاء والراءـ هو فساد العقل من الكبر (2)، والملازمة بينهما ظاهرة؛ لأنّ الثاني سبب للأوّل. 
هذا في اللغة، وأمّا في العرف فتطلق الخرافة على عدّة معان:
الأوّل: المعاني المتوهّمة أو المتخيّلة ولا تمت إلى الواقع بصلة، كالذي يتصوّر أنّ خالق الكون هو الصنم، وأنّ شعور الشاعر وقدرته على نظم الشعر ناشئة من جنّي الشعر...
الثاني: المعاني الباطلة، سواء كانت ناشئة من وهم أو عادات وتقاليد أو منظومة من الأفكار ممزوجة بين الصحيحة والباطلة والمأخوذة من الوهم والعقل والتقاليد، نظير الأديان الوثنية وعقيدة الثنوية في الخالق وعقيدة الجبر ونحوها...
الثالث: كلّ ما لا دليل عليه من عقل أو شرع فهو خرافة؛ لأنّه يكون حديثاً مكذوباً وإن استملحه الناس، ونلاحظ أنّ مرجع المعنى الأوّل والثاني إلى هذا الأخير، ولأنّ ما لا دليل عليه لا ينشأ إلاّ من خلط الحقّ بالباطل أو الباطل ببعضه، وبالتالي يكون من نسج الوهم والخيال لا من العقل، ويمكن إرجاع جميع هذه المعاني الثلاثة إلى معنى جامع وهو كلّ ما لا واقعية له، وإنّما يتوصّل الناس إلى عدم واقعيته من خلال انسداد طريق العلم بصدقه...
إلاّ أنّ هذا المعنى لا ينطبق على تعظيم الشعائر الدينية؛ لما عرفت من تضافر الأدلّة الشرعية والعقلية وقيام السيرة العقلائية عليها، فمن أين ترى نشأت الخرافة فيها؟
 
الأمر الثاني: منشأ الخرافة في الشعائر
... والجواب لا يخلو من احتمالات :
الأوّل: أن تكون الخرافة قد نشأت من الحكم، بمعنى أنّ حكم تعظيم الشعائر حقيقة موهومة لم يؤسّسها الشرع، بل اخترعها الناس من عند أنفسهم.
الثاني: أن تكون ناشئة من الموضوع، بمعنى أنّ عنوان الشعائر في نفسه باطل لم يقم عليه دليل عقلي أو شرعي...
الثالث: أن تكون ناشئة من تطبيق الموضوع على مصداقه في الخارج، وهي منشأ مظاهر تعظيم الشعائر وأساليبها، فيكون تعظيم شعائر الدين نظير تعظيم أهل الجاهلية أصنامهم بذبح الهدي عندها، أو التمسّح بها، أو إظهار الخضوع والخشوع لها، ولا مجال لنسبة الخرافة إلى الأوّل؛ لوضوح بطلانه، بل يستلزم الخروج من الدين. كما لا مجال لنسبتها إلى الثاني؛ لما عرفت من أنّ الشرع لا يشرّع حكماً إلاّ معلّقاً على موضوع، وموضوع الحكم لا يتصوّر فيه الكذب أو الوهم والخيال... فلم يبق إلاّ الاحتمال الثالث... ومنشأ الخرافة فيه يعود لأُمور:
أحدها: أن يكون الأُسلوب خرافياً؛ لأنّه لا ينطبق عليه عنوان تعظيم الشعيرة، كمن يريد أن يعظّم المصحف الشريف بترك قراءته، أو يعظّم العالم بعدم الحضور عنده واجتناب مجلسه، ومن الواضح أنّ هذا النحو من العمل لا يعدّ تعظيماً...
ثانيها: أن يكون كذلك لعدم وجود دليل يدلّ عليه، نظير تعظيم حرمة الميّت بالجلوس للعزاء عليه ثلاثة أيّام كما قيل (3).
ثالثها: أن يكون كذلك لقيام الدليل على عدم مشروعيته، نظير تعظيم جماعة من الوضّاعين والسلاطين الظلمة بعنوان أنّهم صحابة أو أولياء الأمر، ولا يخفى أنّ عدم الدليل لا يساوق دليل العدم، وهذه نكتة مهمّة سيظهر أثرها.
والمعنى الأوّل منها يكون من الخطأ في التطبيق، وهو ليس من مصاديق الخرافة بالوجدان والعرف، وإلاّ لنقض في سائر الموارد التي تحصل عند المكلّفين وفيها خطأ في التطبيق، نظير الخطأ في التطبيق في نيّة الاقتداء بإمام الصلاة، وتقليد المجتهد والغسل وإخراج الحقوق الشرعية ونحوها، ولازمه القول بتحريمه، وهو مخالف للنصّ والإجماع، فلذا يتعيّن تصحيح الخطأ عبر تنبيه صاحبه إلى ما هو الحقّ، وأين هذا من الخرافة ونسبتها إلى تعظيم الشعائر؟
والمعنى الثاني أيضاً أجنبي عن موضوع الخرافة؛ لأنّ ما لا دليل عليه من أساليب تعظيم الشعائر لا يخلو إمّا أن يكون له دليل عام يرجع إليه، أو يكون مشمولا للأصل العام وهو الإباحة، وهذا الأصل أسّسه الشرع، وأرجع المكلّفين إليه في كلّ ما لا دليل عليه، أو يكون راجعاً إلى قصد المعظّم ونيّته في أن يدخله تحت عنوان من العناوين الراجحة شرعاً، فلا يجوز نسبته إلى الخرافة.
والمعنى الثالث يتوافق مع مضمون الخرافة؛ لأنّ بعد قيام الدليل على عدم جواز الشيء لا يمكن التديّن به وإظهاره كأُسلوب لتعظيم الشعائر؛ إذ يدخل في موضوع الخرافة من جهة كذبه وبطلانه، كما يدخل في موضوع البدعة، إلاّ أنّ هذا المعنى لا ينطبق على تعظيم الشعائر الدينية؛ لما عرفت من أنّ الشرع قنّن الكبرى وحدّد موضوعها، وأوكل أمر تطبيقها إلى العرف، فكلّ ما يلتزم به العرف من أساليب ومظاهر لتعظيم الشعائر تكون مشروعة ما لم يردع عنها الشرع.
وعليه فإنّ النهي والردع يفتقر إلى دليل، كما أنّ النسبة إلى الخرافة تفتقر إلى دليل؛ لوضوح أنّ عدم الدليل على الشيء غير دليل العدم، فكلّ تعظيم للشعائر لم يصلنا نهي عنه من قبل الشرع يكون مشروعاً، كما يكون أجنبياً عن الخرافة، فنسبته إلى الخرافة لا تخلو من مغالطة وتجنّ كبير.
 
الأمر الثالث: لا خرافة في الضرورات
بغض النظر عمّا تقدّم فإنّ تعظيم الشعائر الدينية بالأساليب والطرق العرفية المختلفة هو في نفسه من الموضوعات المهمّة التي لا تتوقّف مشروعيته على ورود دليل شرعي خاصّ أو عام يدلّ عليه؛ لأنّه من الضروريات البديهية التي يتّفق عليها جميع العقلاء فضلا عن المتشرّعة، فعدم الدليل على بعض أساليبه ـ لو افترضنا ذلك ـ لا يساوق خرافيته، كما لا يساوق الدليل على عدمه، وهذا ما تؤكّده السيرة العقلائية في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية؛ إذ هناك أكثر من ضرورة تدعو إلى وجوب تعظيم الشعائر الدينية بكلّ الأساليب المناسبة، وفي عين الحال تبطل موضوع الخرافة. 
نكتفي ببيان ثلاث منها :
الضرورة الأُولى: اجتماعية إنسانية
فإنّ الملحوظ من أساليب الأُمم والشعوب في تعظيم شعائرهم ورموزهم الوطنية والدينية أنّ شعائرهم لا تكون مبتكرة ومستحدثة في وقتها في الغالب، وإنّما هي عبارة عن موروث حضاري مكدّس تجتمع على تكوينه مجموعة الأفكار والمعتقدات والعادات والتقاليد والطبائع والأذواق عبر الأجيال، وهو ما يعبّر عنه بعادات الشعوب وثقافاتهم... فإنّ الشعائر التي تؤمن بها الشعوب وتعظّمها وتعتبر بها ليست مبتكرات وقت واحد، أو جيل واحد... فالشعيرة ليست شعيرة فقط كما قد يتصوّرها البعض، بل هي عبارة عن لوحة فنّية متكاملة تعبّر عن الكثير من المفاهيم والمعتقدات والأذواق والعادات... وهذا ما يؤكّده علماء النفس الاجتماعي؛ إذ هم متّفقون على أنّ من الخطورة بمكان تغيير الشعارات الوطنية أو التلاعب بالمفاهيم والثقافات العامّة لأي بلد وأُمّة...
 
الضرورة الثانية: ذاتية نفسية
إنّ الحياة الإنسانية تقوم في مختلف جوانبها على أساس احترام الأفكار والعقائد التي يعتقد بها الناس، وعلى هذا الأساس يحكم على الأنظمة السياسية والاجتماعية في العالم، وهو مبدأ عام تقرّه جميع القوانين والأعراف والأنظمة... ومن هنا أقرّ جميع عقلاء العالم واعترفت قوانينهم بحرّية الفكر والمعتقد وحقّ التعبير عن هذا الحقّ بحرية، وذلك لأنّ لكلّ مجتمع رموزاً وشعائر محترمة ومقدّسة، وله أساليب وطرقاً للتعبير عن هذا الاحترام والتقديس.
والملحوظ أنّ جميع العقلاء يحترمون هذا التعبير، ويجدونه حقّاً طبيعياً فلا ينتقصون منه، ولا ينسبونه إلى الخرافة، ولو تأمّلنا في عادات الشعوب وتقاليدهم وأساليبهم المختلفة في التعبير عن هذا المبدأ لوجدنا أنّ الكثير منها ممّا يمكن نقده والانتقاص منه، أو ربما نسبته إلى الخرافة بحسب الواقع والموازين العقلية الصحيحة، إلاّ أنّ هذا ما لا يقع عادة؛ لأنّ عقلاء العالم يحترمون اعتقادات الشعوب كما يحترمون مشاعرهم وأساليبهم التي يجدونها مناسبة للتعبير عن هذه المعتقدات والمشاعر. ونلحظ هذا كثيراً في بعض أساليب الرياضيين في التعبير عن أفراحهم في الفوز والانتصار...
ونلحظ أيضاً أنّ سائر الشعوب على اختلاف اتّجاهاتها ومذاهبها حينما تعتقد بعقيدة فإنّها لا تمتنع عن إظهارها أو تتخفّى منها خجلا أو مجاملة، بل تبدي ما تعتقده وتعلنه، وتظهر احترامها وتقديسها لرموزها وتشيد بها، ولا تبالي بما يقال عنها، وما ذلك إلاّ لأسباب عمدتها سببان: أحدهما: أنّها واثقة من عقيدتها، وتريد التعبير عنها بصدق. ثانيهما: أنّها ترى أنّ الذين يمكن أن ينتقصوا أو يستهزئوا بما تفعله وتؤمن به غير مدركة لحقيقة هذا الإيمان، أو غير متفهّمة لمشاعر أهله...
وإنّما الذي ينبغي أن يقع فيه الكلام هو ماذا يريد المعترض بقوله أنّ تعظيم الشعائر الإلهية برمّتها أو بعضها من الخرافة؟ لأنّ هذا الوصف في نفسه مجمل غير واضح؛ لأنّه يحتمل أكثر من معنى.
الاحتمال الأوّل: أن يكون مراده أنّ تعظيم شعائر الدين في نفسه من الخرافة، وقد عرفت بطلانه.
الاحتمال الثاني: أن يكون مراده أنّه خرافة في أنظار المعتقدين بالدين، وهذا باطل أيضاً؛ إذ لا يمكن أن يكون المعتقد بالدين معتقداً بخرافة تعظيم رموزه وشعائره.
الاحتمال الثالث: أن يكون مراده أنّه خرافة في أنظار غير المعتقدين بالدين كاليهود والنصارى بالقياس إلى الإسلام مثلا، فلو رأوا أنّ المسلمين يعظّمون صلاة الجماعة والكعبة وذرّية النبي - صلى الله عليه وآله- وعترته بالحضور في مراقدهم وإقامة العزاء على مصائبهم مثلا فإنّهم ينتقدونهم، وينتقصون منهم ومن آرائهم.
وهذا الاحتمال وإن كان وارداً عقلا إلاّ أنّه نادر الوقوع خارجاً، وإذا وقع فغالباً ما يكون من أفراد قلائل إمّا لا يحترمون عقائد الناس أو لهم دوافع سياسية تقف وراء النقد. يعرف هذا من تخلّيهم عن نقد الرموز والشعائر المتعلّقة بغير الإسلام والمسلمين وتوجيه نقدهم وانتقاصهم إلى الإسلام والمسلمين فقط، فلو كان النقد ناشئاً من الثاني فليس من الحكمة بمكان الاستماع إلى من يخطّط لمحاربة الإسلام وشعائره التي تحييه وتبقيه حيّاً طرياً في جميع العصور والأزمنة والتصديق بمقالتهم؛ لوضوح أنّ الخصم قد ينسب إلى خصمه ما لا يصحّ عداوة منه. وإن كان ناشئاً من الأوّل فهو أيضاً لا ينبغي الاستماع له؛ لأنّه مبني على الجهل بحقيقة الإسلام وشعائره... ولو جاز تصديق الصفات التي ينسبها الجاهلون بالإسلام إليه لاستلزم العمل بأحد أمرين:
الأوّل: أن نبدي تجاوباً مع مقالاتهم الانتقاصية، وبالتالي ننسب إلى الدين ما ينسبه إليه خصومه أو غير المعتقدين به...
الثاني: أن نتخلّى عن تعظيم كلّ ما يعدّه غير المعتقدين بالدين بدعة أو خرافة في الدين؛ لأجل كفّ نقدهم وانتقاصهم، وهذا ما لا يمكن الالتزام به؛ لأنّه ينتهي إلى أكثر من تالٍ فاسد، ولا نظنّ أنّ المعترض نفسه يقبله، وذلك لأنّ من لا يؤمن بالدين قد ينتقد مظاهر كثيرة فيه كمناسك الحجّ، وحجاب النساء، وصلوات الجماعة، وحرمة حلق اللحية للرجال، ومجالس العزاء، وطريقة الصلاة سجوداً وركوعاً، ونحو ذلك، ويعدّها من الخرافة، وربما يستمرّ في نقده شيئاً فشيئاً لأجل أن يرفع المسلم يده عن دينه...فهل يمكن ذلك؟ وهل تكليف المؤمن أن يرضي غير المعتقدين بالدين ويستمع لآرائهم فيه؟ وهل هناك حدّ يقف عنده رضاهم وقبولهم بالدين؟ ثمّ ما هي الفائدة من رضاهم بالدين وسكوتهم عن نقده؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي يترتّب عليها الكثير من التوالي الفاسدة...
 
الضرورة الثالثة: تبليغية إيمانية
لا شكّ في أنّ لكلّ عقيدة ودين جنبة تبليغية، ومن أبرز مناهج التبليغ هو تعظيم شعائر الدين وتقديس رموزه ونشرها في الأرجاء، وهذا النهج مشترك يتّبعه سائر أهل الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية، ودعا إليه الشرع في آيات وروايات كثيرة من القرآن والسنّة؛ إذ حثّ الناس على تبليغ الدين وترويج أحكامه، ووعد المؤمنين بأنّه سبحانه سيظهر دينه على الدين كلّه ولو كره الكافرون...
إنّ تبليغ الدين لا ينحصر بتعظيم الشعائر لكي يستدعي الأمر المزاحمة، بل في الغالب هناك أساليب يمكن استعمالها من قبل أهل الفكر والنظر لترويج الدين ومحاكاة عقول غير المؤمنين به وإبقاء تعظيم الدين ورموزه للمتديّنين يتقرّبون بها إلى ربّهم، ويحفظون بها إيمانهم وأُصولهم.
إنّ تعظيم شعائر الدين برمّتها تتوافق مع العقل والفطرة والمبادئ الحقّة، فلو نظر إليها من يريد تفهّم الحقيقة أوصلته إليها، ولكن ذلك لمن يريد معرفة الحقيقة، وهذا ما تؤكّده وقائع الأحداث، فإنّ الكثير من غير المتديّنين تديّنوا، والكثير من غير المؤمنين بالدين آمنوا به وأسلموا بسبب تعظيم الشعائر التي نسبها المعترض إلى الخرافة...
إنّ في تعظيم الشعائر والتمسّك بها اختبار لقوّة المؤمن وثقته بدينه ومعتقده، وترجيح تعاليمه وأحكامه على هواه وآرائه الشخصية، وثباته عليها في مواجهة التحدّيات، وهي من السمات التي تقتضيها شخصية المتديّن وسجاياه النفسية والأخلاقية؛ إذ لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً متديّناً من دون أن تظهر شعائر الإيمان على جوانحه وجوارحه وأفكاره ومواقفه، ومن ذلك انقياده لأحكام الدين والتزامه بأوامره ونواهيه مهما بلغت الصعوبات، وحيث إنّ الدين نصّ على لزوم تعظيم شعائره ومحاربة شعائر الباطل لا يملك المؤمن إلاّ أن يسلّم لذلك، ويتديّن به من دون أن يجد في نفسه حرجاً منها مهما تقوّل عليها المتقوّلون جهلا أو عمداً؛ لأنّ الإيمان لا يخضع للظنون والمشتهيات...فلولا صبر المؤمنين الأوائل على تقوّلات المشركين ومهاناتهم واستهزائهم وثباتهم على الحقّ بإصرار وقوّة لتعذّر عليهم إقامة الدين وإحياء معالمه، ولتعذّر وصوله إلينا، فبصبر هؤلاء وشدّة ثقتهم بأنفسهم وبدينهم وتحدّيهم للصعوبات المختلفة التي واجهتهم بقي الدين قائماً، وبقي المتديّنون أقوياء مكرمين يحيون شعائره بثقة واعتزاز. ومن هنا أمر الباري عزّوجلّ المؤمنين بالصبر والمصابرة والمرابطة... ومن هنا أطلق الإمام الصادق - عليه السلام- على العلماء والمبلّغين لفظ المرابطين بقوله: «علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، ويمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلّط عليهم إبليس» (4). ويستفاد من هذا الحديث أنّ الثغور الفكرية والثقافية في الأُمّة أهمّ وأخطر من الثغور العسكرية، وهو ما يقضي به العقل والتجارب البشرية، فإنّ الانتصارات والهزائم تبدأ من الفكر أوّلا، وأهمّ خطوة في حفظ الفكر وشدّ أركانه في الأُمّة تبتدئ باحترام الشعائر وتعظيمها... 
 
وبذلك يظهر أنّ الضرورات الثلاث الإنسانية والنفسية والتبليغية تقتضي الاهتمام بتعظيم شعائر الدين وتضخيمها في المجتمع المؤمن وغيره؛ لما لها من آثار كبيرة في حفظ هوية المجتمع المؤمن وصونه من الذوبان والانحلال ودعوة الآخرين إلى الإيمان به واحترام مظاهره السامية، وهذه غايات يتوافق عليها العقلاء، وتقرّها أنظمتهم وقوانينهم، وهي حقائق واقعية لها دورها ومكانتها في الحياة الإنسانية، ولا تمت إلى الخرافة ولا الوهم والخيال بصلة، فنسبتها إلى ذلك لا تخلو من مغالطة أو توهّم.
 
-----------------------------
مواضيع ذات صلة:
===========
(*) مقتطفات من كتاب (فقه الشعائر الدينية) وهو عبارة عن مجموعة من الأبحاث العلمية الهادئة ألقاها سماحته في الحوزة العلمية بكربلاء المقدسة عام 1432هـ، ج 1 ص343-371 بشيء من الاختصار الذي أشرنا له في مواضعه بنقاط ثلاث (...).
(1) انظر لسان العرب: ج9، ص65 ـ 66،(خرف)؛ مجمع البحرين: ج5، ص43 ـ 44، (خرف).
(2) معجم مقاييس اللغة: ص293، (خرف).
(3) انظر تهذيب الأحكام: ج4، ص204، حاشية رقم (70).
(4) الاحتجاج: ج1، ص13، ح7.
 

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/12/26   ||   القرّاء : 5424















البحث :


  

جديد الموقع :



 استراتيجية الشعائر (٤): التعبئة الإيمانية والمعرفية (*)

 استراتيجية الشعائر (٣): التعبئة الاجتماعية (*)

 استراتيجية الشعائر (٢): التعبئة الإعلامية (*)

 استراتيجية الشعائر (١): حفظ الدين (*)

 فاطمة الزهراء (ع) المقامات الغيبية والوجه الحضاري

 منهج الحرّية وآفاق التحرّر

 الإمام الحسين عظمة إلهية وعطاء بلا حدود

  السيدة نرجس مدرسة الأجيال

  كيف نفهم القرآن؟

  قصة الأحكام – الجزء الثالث



ملفات عشوائية :



 مؤسسة الأنوار الأربعة عشر (ع) الثقافية تطلق تطبيقها على الهواتف الذكية

 ربع قرن من الإبداع .. حكاية أمّة في رجل

 الهويات والاحتكام الثقافي (1-2)

 رابطة علماء اليمن تستنكر اغتيال الأستاذ علي بن علي فارع

 مشروعية الشعائر الحسينية

 إحياء مراسم ذكرى استشهاد الإمام الهادي –عليه السلام- في منزل المرجع الشيرازي

 اوربا تستعد لخوض حرب الانفاس الطويلة

 المرجعية الرشيدة بين مطرقة المقلدين وسندان الوكلاء (2)

  لغة الحوار - الحلقة الثالثة

 استعمال القرآن الكريم السب والشتم لأعداء الدين (1)

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 6

  • الأقسام الفرعية : 22

  • عدد المواضيع : 436

  • التصفحات : 2634624

  • التاريخ : 15/12/2017 - 02:37

مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية : info@alanwar14.org @ Alanwar14.Com - Alanwar14.Org - Alanwar14.Net
 

تصميم، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net